في الساعات الأولى من صباح يوم الإثنين التاسع عشر من شهر صفر، وقبل أن تنفض مدينة كربلاء غبار النعاس عن أزقتها القديمة.
قرّر الحاج أبو سعد أن يخوض تجربة جديدة ويوم جديد، للانتقال إلى وظيفة أخرى من وظائف الخدمة الحسينية المباركة.
لا سيما وهو في رحاب أربعينية الإمام الحسين عليه السلام، التي لم تعد حدثا محليا أو إقليميا يقتصر على خدمة أهل البلد وضيوفهم من الدول المجاورة.
بل تحولت على مدار السنوات الأخيرة الى أكبر تجمّع بشري ثقافي متعددة الجنسيات، تتجلى فيه مشاركة المواكب الأجنبية كظاهرة إنسانية وتنظيمية فريدة من نوعها.
هذا ممّا وفر للحاج أبو سعد فرصة سانحة، للتواصل معهم، أو التعرف عليهم، تحت راية زيارة الأربعين، التي تلتئم فيها اللغات والأعراق المختلفة في مشهد إنساني نادر.
في هذه الملحمة لم يعد الزائر الأجنبي مجرد ضيف يُستَقبل بالترحاب العراقي المعهود، بل تحوَل إلى خادم يقيم موكبه الخاص به، ليجلب معه ثقافة بلاده ومأكولاتها ووسائل راحته، ويرد الجميل للعراقيين ويشاركهم في أعظم تظاهرة جود على وجه الأرض.
من اللكنة إلى النكهة
تتوزع المواكب غير العراقية على طول طرق المشاية (النجف _ كربلاء، الحلة_ كربلاء، وبغداد _ كربلاء)، فضلًا عن مركز مدينة كربلاء المقدسة.
أحد القائمين على موكب من دولة الكويت، قال، "المواكب الإيرانية تُعدّ الأكثر عددا وانتشارا من بين مواكب الخدمة الحسينية الأجنبية، حيث تنتشر هيئاتها الكبيرة لتقدّم خدمات المبيت والوجبات الإيرانية مثل الآش والقيمة الإيرانية، فضلًا عن تقديم الخدمات اللوجستية كغسل الملابس وتصليح العربات".
ويضيف، "أمّا مواكب شبه القارة الهندية (الهند والباكستان) فهي تقدم، إلى جانب وجبات متقلب الشاي الهندي المخلوط بالهيل والزنجبيل، وجبات تطبخ بحبّ كبير للمشاركة في خدمة السائرين صوب العتبات المقدسة".
مشيرا، "أمّا مواكب دول الخليج واللبنانيين فتتفنن هذه المواكب بتقديم القهوة العربية والتمور الفاخرة، إلى جانب الخدمات الفكرية والثقافية، وإقامة المجالس الحسينية بلغات ومفاهيم تخاطب مختلف الجاليات".
مُكملًا، "ومواكب تركيا وأذربيجان ودول آسيا الوسطى فهي تجمع بين المأكولات التقليدية لبلدانها والألحان العزائية الخاصة بمناطقها، والتي تضفي بعدًا روحيا وتاريخيا يعكس امتداد العشق عبر القارات".
مختتما حديثه، "أمّا مواكب أفريقيا والغرب فهي تختصر الألوان والأجناس، حيث تجد خادما من نيجيريا ومقاديشو، وآخرين من جالية إسلامية من أوروبا وأمريكا، يوزعون الماء والابتسامات، ويكتبون شعارات بلغاتهم تدعو إلى السلام والحرية التي استلهموها من نهضة الحسين".

التنسيق والأمن
تخضع مشاركة المواكب الاجنبية لنظام تنظيمي مُحكَم يشرف عليه قسم الشعائر والمواكب والهيئات الحسينية بالتعاون مع الأجهزة الخدمية والأمنية العراقية، هذا ما أفاد به معاون رئيس قسم المواكب والهيئات الحسينية في العتبة العباسية المقدسة، السيد قاسم الطرفي.
فيقول، "التسجيل المُسبق هو السمة الأساسية للحصول على كفالات وتصاريح رسمية تثبت هوية المواكب والقائمين عليها، ثم تليها موضوعة توزيع المساحات المخصصة لنصب الخيام والمواكب، على محاور المدينة والطرق الخارجية لتجنّب الاكتظاظ، وهذا يسهل عملية دخول الشاحنات والمعدات عبر المنافذ الحدودية والمطارات".
ويضيف، "قسم المواكب والهيئات الحسينية استطاع سجل مشاركة 15817 ألف موكب عراقي في جميع نواحي وأقضية محافظة كربلاء المقدسة، من بينها 250 موكبًا أجنبيًّا".
فيما أظهرت البيانات الرسمية الصادرة عن الحكومة المحلية في كربلاء المقدسة أنّ عدد الزوار الأجانب في زيارة الأربعين لهذا العام 1448، فاق خمسة ملايين زائر وافد من خارج العراق.
من زوّار إلى خدّام
يقول حيدر علي أحد القائمين على موكب قادم من مدينة لكناو الهند، "كنا نأتي في السابق كزوار فقط، نأكل من كرم العراق وننام في بيوتهم".
ويضيف، "قبل سنوات قررنا أن نكون جزءا من هذه المائدة وليس فقط ضيوفا عليها، نجمع التبرعات طوال العام في مدينتنا، ونأتي لنطبخ للزوار أطباقنا التقليدية، إنها طريقتنا لنقول للعراقيين شكرًا لأنكم فتحتم قلوبكم للعالم".
مشيرا، "إنّنا لا نقدّم الطعام فقط، بل ننقل صورة بلادنا للتعبير عن حبنا بطريقتنا الخاصة".
مُكملا، "هنا تذوب الفوارق الطبقية والعرقية، فالجميع يتعامل بصفة واحدة، الخادم والزائر".
إلى ذلك يرى السيد رضا الحسيني القادم من أصفهان الإيرانية وهو من أصول عراقية ونجفية بالتحديد، إنّ "الحسين عليه السلام لا ينتمي لجغرافيا محددة".
قائلًا، "عندما أقف وأقدّم كوب شاي لزائر قادم من إفريقيا أو العراق، أشعر أنّ البشرية جميعها أُسرة واحدة، فالخدمة هنا تخلع عنك كل انتماء ضيّق وتلبسك انتماء الإنسانية".

خدمات ذوي الاحتياجات وكبار السن
في سياق متصل، تعد ورش التصليح والصيانة الميكانيكية والفنية أحد الركائز الخدمية الهامة التي تُقدّم مجانا للزائرين والمواكب الخدمية في الزيارة الأربعينية، نموذجًا على طول محاور السير المؤدية إلى كربلاء المقدسة في فترة الزيارة الأربعينية.
فيقول الحاج مانع الحفيري أحد خدّام الإمام الحسين عليه السلام، إنّ "عمل الورش بنظام الشفتات المتناوبة يأتي في إطار استيعاب زخم الزائرين ليلًا ونهارًا، مع توفير قطع الغيار مجانا بالكامل بدعم من التبرعات والعتبات المقدسة".
ويضيف، "تُخَصّص بعض المواكب الأجنبية طاقاتها لصيانة الكراسي المتحركة، وتوفير وسائل نقل مخصصة لكبار السن، وورش تصليح الهواتف والشواحن، وورش تصليح عربات الأطفال، وورش تصليح الحقائب الظهرية، وصيانة الأحذية أو ما شاكل".
التكافل والاندماج
لا تعمل المواكب الأجنبية بمعزل عن أصحاب الأرض، فالكثير منها يُقام بالشراكة مع المواكب العراقية أو المحلية، لأنّها توفر لها كل اللوجستيات والمكان والأواني الضخمة.
يقول الحاج أبو سجاد صاحب موكب عراقي مجاور لموكب باكستاني، "في البداية كنا نتفاهم بالإشارات، ولكنّنا بعد يومين أصبحنا نفهم بعضنا بلغة العيون، هم يتعلمون منا طبخ التمن والقيمة، ونحن نتعلم منهم التنظيم والدقة، فالحسين جمعنا تحت خيمة واحدة".
