image alt

المسرح الحسيني في زيارة الأربعين

المسرح الحسيني في زيارة الأربعين


في نهاية كلّ عرض عندما تسقط الأقنعة وتتوقف المؤثرات الصوتية، يخرج مُتَقمِّص دور "يزيد" ليعانق زملاءه الذين جسدوا أدوار الأنصار وآل البيت، ويدخل في موجة بكاء حارة معهم.

حينذاك يذوب جدار التمثيل وتعود الحقيقة الواحدة، فالجميع هنا، الظالم والمظلوم على المسرح، قد اجتمعوا على حبّ الحسين وإحياء ذكراه.

في رابطة الغدير الإسلامية، كواحدة من أعرق الهيئات التي أخذت على عاتقها تجسيد أحداث واقعة الطف عبر العروض المسرحية والتاريخية، تجري حكاية إنسانية وفنية من طراز خاص، بطلها الممثل الذي قُدّر له أن يؤدّي دور يزيد.

فوسط أفواج الزائرين، ومع انطلاق مراسيم زيارة الأربعين، شيدت الرابطة جانب الطريق في شارع قبلة الأمام الحسين عليه السلام، مسرحا مفتوحا أمام المارة لأداء مشاهد واقعة الطف الخالدة.

مشاعر متناقضة

"تخيل أن تخرج من بيتك في مدينة الصدر في بغداد، وبين أهلك وجيرانك الذين ينبض كل شبر في مدينتهم بحب الإمام الحسين عليه السلام، لتلبس أزياء أعتى خصوم هذه القضية، هذا هو التحدي الأول والأصعب الذي يواجه شخصية يزيد في أعمال رابطة الغدير".

لم يكن قرارا سهلا على الإطلاق بل كان كابوسا تردّد فيه كثيرا قبل أن يخطو الخطوة الأولى، هكذا يبدأ الممثل والمصمم محمد عبد الرزاق إسماعيل الجيزاني، وهو يمسح المساحيق القاسية عن وجهه بعد انتهاء المشهد المسرحي.

الأمر ليس مجرد تمثيل دور، بل هو عبء نفسي ثقيل جدا، يقول بطل هذا الشبيه في حديثه، إنّ وصولي للمسرح جاء من وحي الصدفة التي مرّ عليها 16 عامًا متواصلة، "في البداية تنتابني رهبة شديدة فالمجتمع والجمهور هنا مرتبطون وجدانيا ونفسيا بالواقعة، ونظرة الناس للشخصية المحسوبة على الجبهة المعادية تكون مشحونة بالانفعال الصادق".

مضيفا، "عندما أقف على المسرح وأصرخ بكلمات يزيد أدرك في داخلي أنّني أؤدّي رسالة، إذ لا يمكن إظهار حجم مظلومية الحق ونوره، إلا إذا جسدت قسوة الباطل وظلمه بكلّ أمانة وإتقان، فكلّما أتقنت الدور كلّما تعاطف الجمهور أكثر مع القضية".

مشيرا، "في إحدى السنوات، وفي أثناء تأدية مشهد السبايا والدخول إلى المجلس، نظرت في عيون كبار السن والأطفال في الحضور، رأيت دموعا حقيقية وحرقة قلوب تكاد تنفطر".

ويتابع، "في داخلي كنت أتمزّق واستغفر الله في كلّ ثانية، لكنّي مُطالَب كفنّانٍ ومؤدٍّ بأن أظهر بمظهر الطاغية القاسي، لتصل مظلومية أهل البيت عليهم السلام بأعلى درجات الوضوح".

ويضيف ضاحكًا بمرارة، "بعد انتهاء العرض نضطر أحيانا للبقاء في الكواليس حتى تهدأ الفورة العاطفية للجمهور، أو يرافقنا شباب الرابطة للتدخل إذا ما اندفع أحد المتأثرين جدا للقصاص من يزيد المسرح".

يقول الفنان محمد الجيزاني، كثيرا ما أواجه هذه التساؤل، "أنت من محبّي أهل البيت، فكيف تتقمّص شخصية قاتلهم"؟

ويجيب، "أنا لا أجسّد يزيد كي أمجّده، بل أجسده لأفضحه أمام الأجيال، ولأظهر كم كانت التضحية عظيمة من الطرف الآخر، فكلّ سوط أرفعه في المسرح، أدعو في سرّي أن يلعن الله الظالمين وأطلب المغفرة لأنني اضطررت لقول كلماته".

desc-a710fde2adebe0c4.jpeg

الاختيار الشاق

في كواليس رابطة الغدير الإسلامية لا يتم اختيار ممثلي الأدوار الشقيّة عشوائيا، بل يتطلب الأمر شجاعة نفسية فائقة، فالجمهور لا يتعامل مع العرض دائما بمنطق الفن والتمثيل.

يفيد الدكتور علي البكري، أستاذ الإخراج في جامعة بغداد_ كلية الفنون الجميلة ومخرج مسرحية (يزيد 1448)، "المقوّم الأول والأساسي اختياريًّا ليس الصوت القوي أو البنية الجسدية، بل القدرة على فهم الهارمونيا النفسية للشخصية، وكيف يفكر رجل يرى نفسه فوق الجميع، وكيف ينطق بكلمات الحسم بينما تعكس عيناه اضطراب الخوف من المجهول".

موضحا، "في المسرح يطلق على هذا المفهوم الكاريزما السلبية، الممثل الذي يقع عليه الاختيار لدور شبيه يزيد يحتاج إلى حضور مسرحي يطغى على الخشبة بمجرد دخوله، ليس بالحب والتعاطف، بل بالهيبة والسطوة التي تحفز الجمهور على التفاعل المباشر".

 ويتابع، "بشكل عام المسرح قد نشأ من الطقوس الدينية ولا يخفى ذلك على كل مطلع بتاريخ المسرح".

مبينا، "واقعة الطف ملحمة مكتملة تتحمل الكثير من المعالجات الإخراجية، لا سيما أنّ مواضيعها متشعبة ومتشابكة، وترتبط كثيرا بالإنسان المعاصر، إذ يتجسّد بها صراع الخير والشر والذي يمكن أن يتّخذ أشكالا متعددة بحسب السياق التاريخي الذي يحل فيه".

مستذكراً، "فحسين الأمس هو ذاته حسين اليوم الذي يقف بوجه قوى الاستكبار وسراق الحقوق لأنّ أمامنا الحسين بن عليّ قد سنّ أولى سنن الرفض القاطع في التاريخ الإسلامي، وهو رفض قد تولّد على شكل مراحل ابتدأت بأبيه الإمام عليّ مروراً بأمامنا الحسن عليهم السلام وصولًا إليه".

موضحًا، "من الممكن معالجة السرد التاريخي الدقيق لواقعة الطف وإضفاء لمسة معاصرة عليه، لأنّ إمامنا الحسين عليه السلام فعل حي يتكرر كل عام، فالحسين رجل حمل فكراً متقدماً لتحرير الإنسان من العبودية والخضوع ".

رسالة إنسانية سامية 

بدوره علّق الأستاذ خيري مزبان شناوه الخزعلي نائب رئيس رابطة الغدير الإسلامية، قائلًا، "نحن مجموعة من الشباب الرسالي المؤمن بحقيقة نشر دين محمد وآل محمد عن طريق المسرح الحسيني".

مضيفًا، "تأسست الرابطة عام 2003 وهي ذات خط ثقافي فني يدعو إلى نشر قضية الإمام الحسين عن طريق المسرح ".

ويشير، "الرابطة لها تشعبات متعددة، وعملنا العديد من المهرجات الشعرية، وبعض المعارض الفوتوغرافية التي تجسد الشعائر الحسينية في العالم، وفي هذا العام لدينا عملان مسرحيّان، الأول يزيد 1448 من تأليفي وإخراج الدكتور علي البكري، والآخَر مسرحية (اه لو كنت هناك) من تأليف الأستاذ علي الخباز وإخراجي".

مكملا، " فضلًا عن ذلك، فنحن نستضيف فرق من الجمهورية الإسلامية بثلاث عروض، وكذلك فرقة المسرح لوزارة الداخلية".

ختامًا، العتبة العباسية المقدسة أخذت على عاتقها مسؤولية احتضان رابطة الغدير الإسلامية في العام 2007، مع بداية انطلاقها في مشوار التشابيه، التي تم عرضها ما بين الحرمين الشريفين.

لتتحول بعد ذلك إلى فرقة مسرحية لها إسهامات فاعلة في العديد من المحافظات العراقية.

desc-6edd7f1d4c961a51.jpeg