image alt

الخزانة الصورية ... ذاكرة بصرية توثق التاريخ

الخزانة الصورية ... ذاكرة بصرية توثق التاريخ

في مكانٍ لا تُقاس قيمته بعدد الصور التي يحتفظ بها، بل بما تحمله تلك الصور من ذاكرة، تقف الخزانة الصورية في متحف الكفيل للنفائس والمخطوطات في العتبة العباسية المقدسة شاهدةً على أكثر من قرن من الزمن؛ صورٌ تحفظ ملامح الأمكنة، وتوثّق المناسبات، وتعيد إلى الذاكرة تفاصيل ربما غيّرها الزمن أو محاها.

هنا لا تُعامل الصورة بوصفها لقطة عابرة، بل بوصفها وثيقة يمكن أن تتحول، بعد سنوات، إلى مصدرٍ يقرأ منه الباحثون تأريخ المكان وتحوّلاته.

ومن بين ما تضمه الخزانة صورةٌ تعود إلى عام 1905م، التقطها عالم الآثار الألماني أرنولد نولدكه في زيارته مدينة كربلاء المقدسة ضمن البعثة الألمانية للتنقيب في آثار بلاد الرافدين.

الصورة التي وصلت إلى المتحف بطريقة إلكترونية خاصة، جرى إعدادها وطباعتها وعرضها ضمن مقتنيات المتحف، لتصبح واحدة من اللقطات التاريخية التي تستوقف الزائر وتفتح أمامه نافذة على كربلاء قبل أكثر من قرن.

لم تكن الحكاية عند الصورة وحدها، فالبحث عنها قاد إلى صاحبها وكتاباته؛ إذ وثّق نولدكه رحلته التنقيبية في العراق، واهتم بتسجيل تفاصيل الأماكن التي زارها، حتى إنه أجرى قياسات للصحن الشريف لمرقدي أبي الفضل العباس والإمام الحسين عليهما السلام، ووثّقها ضمن رحلته.

وهكذا تحولت الصورة من ورقة قديمة إلى بداية قصة أوسع عن مدينة وعتبات وأمكنة حفظتها عدسة عابرة للزمن.

desc-9a378f57f08ce13f.jpeg

الصورة التي لا تتحدث… لكنها تشهد

يرى المصور في قسم الإعلام بالعتبة العباسية المقدسة سامر الحسيني أن علاقته بالكاميرا بدأت عام 2010، وأنها لم تعد بالنسبة إليه وسيلة للعمل فحسب، بل أصبحت أداةً لحفظ ذاكرة المكان.

فالتصوير داخل العتبة، بحسب تجربته، يختلف عن تصوير أي مكان آخر؛ لأنّ المصور لا يوثق حدثاً أو مبنى فقط، وإنما يوثق ذاكرةً ومشاعر وتاريخاً.

ولهذا تصبح اللحظة التي يلتقطها المصور مسؤولية، لأنها قد تكون لحظة لا تتكرر.

يقول سامر الحسيني، إن أكثر ما يبحث عنه أثناء عمله هو اللحظة؛ لأنّها الشيء الذي لا يمكن تكراره.

قد تكون حركة عابرة، أو تعبيراً على وجه أحد الزائرين، أو اجتماعاً في مناسبة، أو تفصيلاً صغيراً في أحد أركان المكان، لكن هذه اللحظة قد تختصر قصة كاملة.

desc-5f13a5e0e49076b8.jpeg

ولهذا لا يعرف المصور دائماً قيمة الصورة لحظة التقاطها؛ فقد تمر سنوات قبل أن يدرك أن الصورة التي التقطها في يوم عادي أصبحت وثيقة لمرحلة كاملة.

ويستحضر الحسيني من المناسبات التي بقيت في ذاكرته مناسبة تنصيب شباك أبي الفضل العباس (عليه السلام)، مؤكداً أنّ شعوره بالمسؤولية كان كبيراً، لأنه يعرف أنّ ما يلتقطه لن يبقى مجرد صور للحاضر، بل سيكون شاهداً للأجيال القادمة.

ومن بين الصور التي بقيت عالقة في ذاكرته صورة البرق، التي انتظر من أجل التقاطها أكثر من ساعة، يراقب السماء حتى جاءت اللحظة المناسبة، وبالنسبة إليه، لم تكن الصورة مجرد لقطة جميلة، بل قصة تختزن الصبر والانتظار والذكرى.

ومع مرور السنوات، تتغير قيمة الصورة؛ فما يبدو تفصيلاً بسيطاً عند التقاطه قد يصبح لاحقاً دليلاً على شكل مكان أو مناسبة أو مرحلة لم تعد موجودة.

desc-79caebf4eacd02e6.jpeg

من لقطة إلى وثيقة

تضم الخزانة الصورية صوراً أرشيفية توثّق جوانب متعددة من تاريخ العتبات والمناسبات والزائرين، إلى جانب صور جوية للمرقدين الشريفين للإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس عليهما السلام، وصوراً توثق السرداب الشريف، ومراحل من أعمال البناء والإعمار في القبة الطاهرة لمرقد أبي الفضل العباس عليه السلام.

وبذلك تتجاوز الخزانة فكرة حفظ الصور إلى بناء ذاكرة بصرية متكاملة؛ فكل صورة تحمل زمانها ومكانها وأشخاصها وتفاصيلها، وقد تمنح الأجيال القادمة إجابة عن سؤال بسيط لكنه مهم، كيف كان هذا المكان؟

ويؤكد الحسيني أنّ قيمة الصورة التاريخية لا ترتبط دائماً بجمالها الفني، وإنما بقدرتها على الشهادة على زمنٍ أو مكانٍ أو حدث، فقد تكون الصورة عادية من الناحية التقنية، لكنها تحتوي على تفصيل لم يعد موجوداً اليوم، فيصبح ذلك التفصيل سبباً في ارتفاع قيمتها التاريخية.

desc-b18d48ee63a00230.jpeg

أكثر من ألف سيف

ولا تتوقف عملية التوثيق عند الصور التاريخية؛ إذ يعمل متحف الكفيل على مواكبة التحول الرقمي وتحديث محتواه المصور.

فقد أنجز المتحف بالتعاون مع قسم الإعلام في العتبة العباسية المقدسة تحديث صور1039 سيفاً تاريخياً ضمن منظومته الإلكترونية، بما يتيح عرض المقتنيات بصورة أوضح، ويسهّل وصول الباحثين والمهتمين إلى معلوماتها.

يقول رئيس قسم المتحف السيد نافع الموسوي، إنّ ملاكات قسم الإعلام أشرفت على تحديث صور السيوف ضمن خطوة تهدف إلى تطوير المحتوى البصري للمنظومة الإلكترونية الخاصة بالمقتنيات، فيما تتولى شعبة التوثيق والأرشفة تحديث بيانات الصور وربطها بالمعلومات التوثيقية الخاصة بكل قطعة.

وهنا تلتقي الصورة القديمة بالتقنية الحديثة؛ فكما تحفظ العدسة تفاصيل مرقدٍ أو مناسبة من الماضي، تعمل المنظومة الإلكترونية اليوم على ضمان وصول هذه التفاصيل إلى الباحث في المستقبل.

desc-76aa99c61ff2e5b4.jpeg

خزانة لا تحفظ الصور فقط

إن وجود خزانة صورية داخل متحف الكفيل لا يمثل مجرد مشروع لحفظ ملفات وصور، بل هو مشروع لحفظ ذاكرة المكان.

فالعتبة التي تُلتقط تفاصيلها اليوم قد تختلف بعد سنوات، والمناسبة التي توثقها العدسة قد لا تتكرر، والشخص الذي يظهر في إحدى الصور قد يصبح جزءاً من تاريخ المكان، ومن هنا تصبح كل صورة احتمالاً لوثيقة مستقبلية.

وبين صورة أرنولد نولدكه التي أعادت ملامح كربلاء عام 1905 إلى الحاضر، وصور المصورين المعاصرين التي تحفظ تفاصيل العتبة ومناسباتها، تتشكل خزانة لا تفصل بين الماضي والحاضر، بل تصل أحدهما بالآخر.

إنها ذاكرةٌ لا تُكتب بالحبر، ولا تحفظها الكلمات وحدها؛ بل تحفظها صورة بقيت في مكانها حتى جاء زمنٌ آخر ليكتشف قيمتها.

desc-23ada6b1d2249e4f.jpeg