لا تستطيع أم علي إخفاء هواجسها من ملامسة طفلها مقابض الأبواب في أي مكان خارج منزلها، فهي حريصة أشد الحرص على سلامة صحة "علي" ذي السنوات الست، حتى باتت هذه المخاوف من الصفات المشهورة عنها لدى كل من يعرفها.
ويروي أحمد عبد العظيم "زوج أم علي"، إنّ تلك المخاوف تولدت لدى زوجته بعد وفاة والدها أثر جائحة كوفيد عام 2020 ميلاديا، لتبقى ملازمة لها بشكل لافت، وانعكست من حذرها ملامسة ولدها أي مقبض باب أو أحد الرفوف أو أي شيء خارج منزلها.
ويضيف، "عندما يخرجان إلى أي مكان أو منطقة فإنّ أبسط ازدحام بشري يعد نذيرا يكفي لعودة أم علي مع ولدها إلى المنزل".
ولكن المفارقة في الأمر عند باب الصحن الشريف لأبي الفضل العباس عليه السلام، وفي ذروة الازدحام، حيث يِعْبُرُ في يوم واحد أكثر مما يعبر أي سوق في المدينة، ترخي أم علي قبضتها وتدع ابنها يمضي حيث يشاء داخل الصحن الشريف.
وكما يبدو فإن الاطمئنان الكبير في قلب أم علي لم يأتِ من فراغ، بل من وقائع منظورة وملموسة غيرت من قناعتها.

حراس الصحة
في وقت لاحق، وعند بداية دخول ضوء النهار من القطع الزجاجية داخل الحرم الشريف، يشرع المهندس حامد علاوي حسين في جولته اليومية مستبقا الزحام.
ينحني إلى البقعة الداكنة التي تكون أسفل الجدار، يمرر عليها كفه بشكل مستمر ليفهم إنّ هذه رطوبة تسري أم حياة تدبّ خلفها.
عشرون عاماً وهو يقرأ جدران وأرض وأروقة العتبة العباسية المقدسة قراءة الطبيب لجسد يعرفه، فمنذ عام 2006 للميلاد بدأ المهندس حامد علاوي يدير وحدة الوقاية التابعة لشعبة الشؤون الإدارية في قسم الشؤون الخدمية.
يرافقه في هذه المهمة الحساسة خمسة منتسبين يتقاسمون نوبتين، صباحية ومسائية، يبسطون عنايتهم على الصحن الشريف والأروقة والمحجرات والأقسام الإدارية والمواقع الزراعية.
يعلق المهندس علاوي، "في عشرين عاماً يتعلم المرء أين تكمن العلّة قبل أن تجهر بنفسها".
وتستقبل العتبة العباسية المقدسة عشرات آلاف الزائرين يوميا، وتبلغ مساحة الصحن الشريف والحرم مجتمعين، أكثر من عشرة آلاف متر مربع.
ويبدأ الفريق من مواضع التلاقي، حيث تتعاقب الأيدي والأقدام، من أبواب الدخول وأسطح المحجرات
ومواضع حفظ الأحذية، ويحمل أفراده المرشات على ظهورهم، ويطوفون بها موقعا تلو الآخر.
وفي الساعة التي تكون أم علي في بيتها تهيئ ابنها للزيارة، يجهد فيها حامد وفريقه هذا العمل المعقد، فهي عندما تأتي لا ترى سوى آثار التعقيم المستمر عبر المرشات.
وهذا سبب اطمئنان أم علي، " فكف طفلها الصغير ستلمس مكاناً معقّم".
مشيرة، "للعتبة العباسية المقدسة منهج يُدرّس في النظافة والتعقيم".

مكافحة مستمرة
في السياق ذاته يشير المهندس حامد علاوي إلى استخدام منتجات تعتمدها منظمة الصحة العالمية.
ويقول، "المادة المستعملة اسمها آيكون، وقوامها لامبدا سايهالوثرين، وهي من منتجات مكافحة نواقل الأمراض".
مبينا، "كل مادة تعبر إلى العتبة المقدسة توزن بميزانين متلازمين، الأول الفتك بالآفة، والآخر أمان ملامسة البشر".
وأدهى ما يطارده علاوي هي حشرة الأرضة؛ فهي كما يقول، "آخر ما يرى وأول ما يفتك".
ويضيف، "تشيد مستعمرتها في أحشاء الجدار، وتقضم في صمت، فإذا بلغ أثرها السطح كانت قد سبقت كل عين بأشواط".
مبينا، "الرش على السطح ضماد فوق جرح ما يزال ملوثاً، لذلك نحقن المادة المطهرة على عمق خمسين سنتيمتراً في الجدار أو الأرضية، حتى يبلغ المستعمرة في عقر دارها".
في سرداب العتبة العباسية المقدسة، ظهر على الجدار آثار أرضة، وحين بلغ الحقن غايته، تكشفت المستعمرة عما تخبئ وقد تم القضاء عليها.
يختصر حامد مذهبه في جملة، "نصل إلى المصدر قبل الحشرة الظاهرة".
معلقا، "الذبابة في الممر رسالة، والرسالة تحمل عنوان مرسلها، أمّا حاوية في فناء خلفي، أو شق في أرضية، أو رطوبة تتسلل في جدار قسم قصي.
يقول حامد، "الإصابة قد تظهر في مكان ومصدرها في مكان بعيد عنه تماماً".
ويضيف، "يقتفي الفريق الأثر على جبهتين، فهو يداوي موضع الظهور في الحال، ثم يتسع دائرة إثر دائرة حتى يقطع على الانتشار طريقه من جذره".
وعلّق حامد على ذلك، "من طارد الحشرة عادت إليه بعد أيام، ومن جفف منبعها أغلق الباب دونها".

مكعبات زرقاء وحمراء
في زوايا تنأى عن نظر الزائر، تربض مكعبات صغيرة زرقاء وحمراء، وهي طعوم سامة تغري القوارض بمادة جاذبة، بعضها يرد من دائرة صحة كربلاء التي ينسق معها الفريق بانتظام، وبعضها تصنعه أيديهم.
وإلى جوارها مصائد حديدية ولاصقة، يختار حامد مكامنها بذاكرة عشرين عاماً في مسالك القوارض ودروبها.
وكلما شيدت العتبة مبنى جديداً، دخل هذه الخريطة ساعة اكتماله، وقبل أن تطأ قدم المنتسب أو الزائر. وفي المواقع الزراعية جبهة أخرى، آفاتها غير الآفات، وأدواتها غير الأدوات.
من جانبه يلّخص يونس نعمة، مسؤول الشعبة الإدارية التي تتبعها الوحدة، "الوحدة تتحرك بمبادرة منها قبل أي طلب في أروقة العتبة العباسية، فالانتظار يعني أن المشكلة ظهرت بالفعل".
ويقول، "نسج الفريق جدوله على مهل ففي عامي 2012 و2013 وضع أول جدول دوري للتعقيم، ثم جاءت الجائحة عام 2020 فأحكمت المنهج، وصارت المناطق المفروشة ومواضع التلامس المتكرر تخضع لكشف دوري ثابت".
واليوم يرسم المهندس حامد جدولاً أسبوعياً يسبق فيه الفعلُ ردة الفعل.
