image alt

من غانا إلى النجف الاشرف

قصص ومحطات في طريق المعرفة

من غانا إلى النجف الاشرف

بخطوات يملؤها الأمل والروح والطمأنينة والطموح، ووجهةٌ لم يصل إليها سابقًا، تارةً بتوتّر، وأخرى بِحَيرة، هل أذهبُ أم لا؟

ذلك ما كان يدور برأسهِ قبل أن يخطو خطواته الأولى، فلم تكن المسافة الممتدة بين غانا والعراق مجرد آلاف الكيلومترات بالنسبة للشيخ "شعبان آدم جلو"، بل كانت طريقًا اختار أن يسلكه بحثًا عن المعرفة، وحاملًا معه سؤالًا ظلّ يكبر في داخله كلما حضر مجلسًا أو شارك في نقاش عن مذهب أهل البيت عليهم السلام، كيف يمكن أن يتعلّم علومهم بصورة أعمق، ثم يعود بها إلى مجتمعه في غرب أفريقيا؟

في غانا، حيث ينحدر الشيخ شعبان، تتنوع المكونات الدينية والاجتماعية، ويشكّل المسلمون من أتباع المدارس الفقهية لأبناء العامة والمسيحيين غالبية المجتمع، فيما يمثل المسلمون من أتباع مذهب أهل البيت عليهم السلام أقلّية تحتاج إلى مزيد من المعرفة والتوعية الدينية.

ومن بين تلك البيئة بدأت حكاية طالب علوم دينية أفريقيّ، لم يكتفِ بما يسمعه في المجالس والنقاشات، بل قرر أن يجعل من العلم مشروعًا لحياته.

في التاسعة والثلاثين من عمره، يستذكر الشيخ شعبان آدم جلو بدايات تلك الرحلة، حين قادته المناقشات والمجالس التي كان يحضرها عن مذهب أهل البيت عليهم السلام، إلى اتخاذ قرار السفر نحو النجف الأشرف، المدينة التي رأى فيها الطريق الأوسع للتعمق في العلوم الدينية.

كانت النجف الأشرف وجهته، والحوزة العلمية محطته، والغاية أبعد من الحصول على شهادة أو بلوغ مرحلة دراسية، إذ كان يريد أن يتزوّد بالمعرفة الدينية الصحيحة، ليعود بها إلى غانا، ويكون قادرًا على التبليغ وخدمة مجتمعه ومواجهة الشبهات التي قد تواجه أبناءه.

يقول الشيخ شعبان، إنّ "رحلته إلى العراق بدأت بعد حصوله على القبول في الحوزة العلمية، وكانت رحلة طويلة وشاقة، غير أنّ شوقه إلى زيارة أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام، إلى جانب رغبته في الدراسة في النجف الأشرف، جعلا مشقّة الطريق أهون عليه".

وصل إلى العراق، لكنّه لم يصل إلى بلد يعيش ظروفًا عادية؛ فقد دخل إليه عام 2011، في مرحلة كانت فيها الأوضاع الأمنية والسياسية شديدة التعقيد، وشهدت البلاد التفجيرات والاضطرابات، ثم جاءت مرحلة مواجهة تنظيم داعش الإرهابي وما رافقها من تداعيات أمنية واجتماعية.

ومع ذلك، لم يكن طريقه طريقًا عابرًا، ولذلك بقي متمسكًا بدراسته.

اجتاز الشيخ شعبان مرحلة المقدمات، ثم مرحلة السطوح العليا، وواصل مسيرته حتى مرحلة البحث الخارج في النجف الأشرف.

وبين مرحلة وأخرى، لم يعد العلم بالنسبة إليه غاية شخصية، بل تحول إلى مسؤولية يحملها تجاه مجتمع ينتظره في غانا.

desc-8a1c7eb143466528.jpeg

فالمجتمع الذي جاء منه، بحسب وصفه، متنوع وبسيط ومتكافل، لكنه بحاجة إلى التوعية الدينية والتعريف بمذهب أهل البيت عليهم السلام بصورة صحيحة، وهو ما جعل الدراسة الحوزوية بالنسبة إليه مشروعًا يمتد خارج جدران الحوزة، ليصل إلى المساجد والمجالس والمجتمع الذي سيعود إليه يومًا ما.

لكن رحلة الشيخ شعبان لم تتوقف عند مقاعد الدراسة.

فإلى جانب تحصيله العلميّ، يعمل مُنسّقًا لمركز الدراسات الإفريقية التابع للعتبة العباسية المقدسة، داخل العراق وخارجه، وفي غانا على وجه الخصوص، ليجمع بين طلب العلم والتبليغ والتنسيق للأنشطة الدينية والثقافية.

وتلتقي حكاية شعبان مع حكايات أخرى لطلبة أفارقة اختاروا النجف الأشرف محطةً لطلب العلم، من بينهم الشيخ شمس القادم من نيجيريا.

فلم يكن الوصول إلى العراق بالنسبة للشيخ شمس الدين عبد الله، نهاية رحلة البحث عن العلم، بل بداية مرحلة جديدة من مسيرته العلمية.

فقد بدأ اهتمامه بالعلوم الدينية والمعارف الإسلامية منذ وقت مبكر، ثمّ واصل دراسته في المدارس الدينية التقليدية في بلده، قبل أن يلتحق بجامعة المصطفى العالمية في فرعها بدولة النيجر.

درس علوم اللغة العربية والفقه وسيرة أهل البيت عليهم السلام والعقائد والتفسير والحديث وغيرها من العلوم المرتبطة بالمذهب الجعفري.

ومع مرور الوقت، وجد أنّ مواصلة دراسته تتطلب الانتقال إلى الحوزات العلمية في النجف الأشرف، فاختار العراق محطةً جديدة في مسيرته، مدفوعًا برغبة في التعمق في العلوم الحوزوية والوصول إلى مراحل متقدمة من التحصيل العلمي.

وأيضا لم تخلُ رحلته من الصعوبات؛ فالبعد عن الأهل والوطن، واختلاف البيئة الاجتماعية والثقافية، إلى جانب تحديات السفر وإجراءات الإقامة، كلّها شكلّت جزءًا من تجربة الغربة التي عاشها.

لكنّ "شمس الدين" يرى أنّ هذه التحديات أسهمت في بناء شخصيته وتقوية عزيمته، خصوصًا مع ما وجده من دعم العلماء والمشايخ والإخوة المؤمنين، الذين أسهموا في تشجيعه ومساعدته في مراحل مختلفة من رحلته.

ويواصل اليوم الشيخ شمس الدين دراسته في مرحلة السطوح العليا في حوزات النجف الأشرف، فيما يعمل إلى جانب دراسته منتسبًا إلى مركز الدراسات الأفريقية في العتبة العباسية المقدسة، مشاركًا في المجالات الدينية والثقافية والتبليغيّة، إلى جانب إعداد وترجمة بعض المواد الدينية والثقافية والمشاركة في الأنشطة التي تعزّز التواصل بين العراق والمجتمعات الإفريقية.

ويحمل الشيخ شمس الدين هدفًا يتجاوز حدود التحصيل الشخصي؛ فهو يرى أن الغاية من العلم هي العمل به وإيصاله إلى المجتمع، والمساهمة في نشر الوعي الديني والثقافي بين أبناء القارة الإفريقية، ولا سيما الشباب وطلبة العلم الذين يحتاجون إلى مزيد من المؤسسات والمتخصصين في هذا المجال.


الى ذلك يتضح جانب آخر من جوانب الرعاية التي تقدمها العتبة العباسية المقدسة للطلبة والباحثين المغتربين.

إذ لا تقتصر على مساعدتهم في مواصلة تحصيلهم العلمي، وإنما تفتح أمامهم مساحات للمشاركة والإنتاج، وتتيح لهم توظيف ما يمتلكونه من قدرات في مشاريع علمية وثقافية.

يقول الأستاذ علي العيساوي، رئيس شعبة العلاقات والإعلام في الهيئة العليا لإحياء التراث، إنّ "المركز يستقطب باحثين وطلبة من جنسيات متعددة، من بينها الكويت والسعودية واليمن ولبنان وإيران وأفغانستان، للمشاركة في إنجاز الدراسات والبحوث التي تُسند إليهم".

ويبيّن "أعمال هؤلاء الباحثين تتنوع بين المراجعة العلمية واللغوية والبحث والتأليف والتحقيق، الأمر الذي يمنحهم فرصةً للاستفادة من تخصصاتهم ومهاراتهم، فضلًا عن فتح باب من أبواب العمل أمامهم في أثناء إقامتهم بالعراق".

وبذلك تتسع صورة الاحتضان لتشمل أكثر من جانب؛ فالطالب القادم من إفريقيا لا يجد أمامه مؤسسة تساعده على مواصلة الدراسة فحسب، بل يجد أيضًا فضاءً للتعلّم والتطوير والمشاركة والعمل، بما يحافظ على طاقته العلمية ويدفعه إلى توظيفها في خدمة المعرفة والتراث والفكر الإسلامي.

ولا يقتصر دور العتبة العباسية المقدسة على الجانب المؤسسي، إذ يأتي مركز الدراسات الإفريقية بوصفه مساحةً لاحتضان الطلبة الأفارقة المغتربين، ومتابعة مسيرتهم خلال وجودهم في العراق.

فالمركز يعمل على التواصل المستمر مع الطلبة، والاهتمام باحتياجاتهم العلمية والثقافية والاجتماعية، بما يساعد على توفير بيئة أكثر ملاءمة لهم بسنوات الدراسة في الحوزات العلمية، خصوصًا أن الطالب المغترب لا يواجه تحديات العلم وحدها، وإنما يعيش تجربة مختلفة تتعلق بالبعد عن الوطن والأسرة والمجتمع الذي نشأ فيه.

وعن طريق برامجه، يسعى المركز إلى أن تكون علاقة الطالب بالمؤسسة الدينية علاقة تتجاوز حدود التواصل الرسمي، لتصل إلى المساندة والرعاية وبناء جسور التواصل.

وتتوزّع أنشطة المركز بين البرامج التبليغية وإحياء المناسبات الدينية، والدورات التطويرية والتأهيلية الموجهة إلى المبلّغين الأفارقة، بهدف تعزيز قدراتهم العلمية والتبليغية، وإعدادهم للعودة إلى بلدانهم وهم أكثر قدرة على أداء رسالتهم الدينية.

وهنا تبدو قصة الشيخ شعبان أكثر وضوحًا؛ فالدراسة التي بدأها في النجف لا تنتهي عند حدود العراق، بل تتجه في نهايتها إلى غانا.

وما يتعلّمه اليوم في الحوزة يمكن أن يتحول غدًا إلى درس أو محاضرة أو نشاط ديني وثقافي في مجتمع أفريقي يحتاج إلى من يحمل إليه المعرفة التي تلقاها.

ولا يغفل المركز عن الجانب الاجتماعي من حياة الطلبة، إذ يقيم برامج ترفيهية وزيارات إلى العتبات المقدسة والمراقد الشريفة، بما يتيح للطلبة فرصةً للتواصل فيما بينهم، ويعزز الألفة بينهم وبين المؤسسات الدينية التي تحتضن مسيرتهم.

كما يسهم في تقديم المساعدات الإنسانية والاجتماعية بحسب الإمكانات المتاحة، والوقوف إلى جانب الطلبة في بعض احتياجاتهم، في صورة تعكس مفهومًا أوسع للرعاية، لا يجعل الطالب مجرد دارس، وإنما إنسانًا له احتياجاته وظروفه وتحدياته الخاصة.

وهكذا يصبح مركز الدراسات الإفريقية حلقة وصل بين الطالب وبلده، وبين الحوزة والمجتمع، وبين العلم الذي يتلقاه المبلّغ والرسالة التي سيحملها إلى الناس بعد عودته.

أما الشيخ شعبان، الذي قطع الطريق من غانا إلى النجف، وعاش سنوات من الدراسة في ظروف عراقية لم تكن سهلة، فقد تحوّلت رحلته من مجرد بحث عن المعرفة إلى مسار متكامل يجمع بين الدراسة والتبليغ والعمل الثقافي.

وبين غانا ونيجيريا وتنزانيا، تتكرر الحكاية بأسماء مختلفة؛ طالب يغادر وطنه، حاملًا معه حلمًا دينيًا، ويصل إلى العراق ليتعلم، ثم يجد من يسانده في غربته ويهيّئُ له مساحةً لمواصلة الطريق.