يحمل أحمد عمار مصحفه الصغير، ويمضي بخطوات يملؤها الحماس نحو مركز الدورات القرآنية، وفي قلبه أمنية تكبر مع كل آية يحفظها، بأن يصبح يومًا من حفظة كتاب الله.
لم يتجاوز التاسعة من عمره، لكن الطريق الذي اختاره لنفسه بدأ يرسم ملامح حلم يتجاوز سنوات طفولته، حُلمٌ يبدأ بتعلّم التلاوة الصحيحة، ويمتد إلى حفظ القرآن الكريم كاملًا.
لم تكن مشاركته في الدورات القرآنية مجرد نشاط يشغل به ساعات العطلة الصيفية، بل تجربة أخذت تتسع في وجدانه، فصار يجد في آيات القرآن ما يمنحه الطمأنينة، وفي دروسه ما يعينه على فهم القيم التي يتعلمها، وفي تشجيع أساتذته دافعًا لمواصلة الحفظ وتطوير قدراته.
يقول أحمد، "أشارك في الدورات القرآنية للسنة الثانية على التوالي، بهدف تعلّم تلاوة القرآن الكريم بطريقة صحيحة، وقد حفظت إحدى عشرة سورة منه".
مضيفا، "أطمح إلى أن أكون من حفظة القرآن الكريم كاملًا بإذن الله تعالى".

وعن علاقته بأساتذته، يتحدث ببراءة طفل وجد فيهم ما يشجعه على الاستمرار قائلًا، "يتعاملون معنا بروح المحبة والعناية، وكأننا أبناؤهم، ويبسطون لنا الدروس ويتابعوننا باهتمام، وهذا يدفعني إلى الاجتهاد أكثر ومواصلة الطريق".
على مقربة من هذا الحلم، يقف والد أحمد، " أبو أحمد عمار" الذي يرى أن الرغبة الصادقة كانت الشرارة الأولى في رحلة ابنه القرآنية، إذ لاحظ منذ سنواته الأولى ميله إلى التلاوة والحفظ، فاختار أن يكون سندًا له، لا أن يفرض عليه طريقا لم يختره بنفسه.
ويقول، "كانت لدى أحمد رغبة كبيرة في تعلم القرآن الكريم، ونحن بدورنا شجعناه ودعمناه بكل ما نستطيع، ولم نضغط عليه، بل وفرنا له الأجواء المناسبة حتى يواصل طريقه بإرادته وحبه لكتاب الله".
ويضيف، "معرفتهم بالدورات القرآنية التي تقيمها العتبة العباسية المقدسة جاءت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب توصيات أصدقاءٍ لديهم أبناء يشاركون فيها".
مبينا، "تحولت هذه المعرفة إلى فرصة وجد فيها أحمد مساحةً لتنمية موهبته وترسيخ علاقته بالقرآن الكريم".
من المصحف الصغير إلى حلم المنابر القرآنية
في مكانٍ آخر من هذه الحكاية، يقطع محمد حيدر، البالغ من العمر عشر سنوات، المسافة سيرًا على الأقدام إلى المركز الذي تُنظم فيه الدورة القرآنية، مستفيدًا من قربه من منزله.
يحمل هو الآخر طموحًا يتجاوز حدود الدرس اليومي فهو لا يريد أن يتعلم التلاوة والحفظ فحسب، بل يحلم بأن يكون قارئًا متمكنًا يمثل بلده في المسابقات الدولية، ويرفع اسم العتبة العباسية المقدسة عاليًا.
يعلق محمد، "أشارك في الدورات القرآنية بهدف حفظ القرآن الكريم وإتقان أحكامه، وأطمح إلى أن أكون من خدمة القرآن الكريم وأهل البيت عليهم السلام، وأن أصبح قارئًا معروفًا وأمثل بلدي في المسابقات الدولية".

ويشير، "تشجيع أساتذتي كان له أثر في اكتشاف موهبتي الصوتية، إذ وجدت في ملاحظهم وتوجيهاتهم حافزًا لتطوير أدائي".
مضيفا، "اكتشفت عن طريق الدورات أن صوتي جميل عند التلاوة، وشجعني أساتذتي على الاستمرار وتطوير موهبتي حتى أصبح قارئًا متمكنا".
وبين أحمد الذي يَعدّ السور التي حفظها خطوة نحو حلمه، ومحمد الذي يتطلع إلى المنابر القرآنية والمسابقات الدولية، تتشكل ملامح مشروعٍ يفتح أمام الأطفال أبوابًا لاكتشاف مواهبهم، ويمنحهم فرصة التعلم في بيئة تجمع المعرفة الدينية والرعاية التربوية والتشجيع.
صغارنا قرّاء... مشروع يرعى الموهبة منذ بدايتها
ومن هذه البدايات تنطلق تجربة مشروع (صغارنا قرّاء)، الذي أطلقه المجمع العلمي للقرآن الكريم في العتبة العباسية المقدسة بنسخته الرابعة في قضاء الهندية بمحافظة كربلاء المقدسة، عبر معهد القرآن الكريم في القضاء، بهدف رعاية المواهب القرآنية الناشئة وتنميتها، واستقطاب الفتية المتميزين بحسن الصوت وجودة الأداء.
يقول مسؤول معهد القرآن الكريم في الهندية، السيد حامد المرعبي، إنّ "المشروع يتضمن برنامجا متكاملًا يجمع بين تعليم القرآن الكريم وأحكام التلاوة والتجويد، ودروس الفقه والعقائد، إلى جانب فقرات تربوية وترفيهية تسهم في تنمية شخصية المشاركين وتعزيز ارتباطهم بالقرآن الكريم وقيمه".
ويضيف، "نخبة من أساتذة المعهد وقرّائه يشرفون على تنفيذ البرنامج، مستفيدين من خبراتهم في تعليم الناشئة وصقل قدراتهم، بما يساعد على إعداد جيل من القرّاء القادرين على مواصلة العطاء القرآني".

ولا تقف هذه الرعاية عند حدود تحسين الصوت أو إتقان مخارج الحروف فالمشروع يتيح للصغار فرصة التدرب على الانضباط والمثابرة، ويقربهم من معاني القرآن الكريم، لتصبح رحلة التعلم أوسع من مجرد حفظ الآيات، وأقرب إلى بناء علاقة مستمرة مع الكتاب العزيز.
من الدورات المحلية إلى مشروع قرآني
يقول مدير معهد القرآن الكريم التابع للمجمع، السيد حامد المرعبي، إنّ "الدورات الصيفية تتضمن دروسًا في القرآن الكريم فهمًا وتلاوةً وتدبّرًا، فضلًا عن الفقه والعقائد والأخلاق وسيرة أهل البيت عليهم السلام.
ويضيف، "الدورات تنظم سنويًا بمشاركة مدرسين مختصين، وتستهدف فئات عمرية من الأطفال والناشئة، ضمن برنامج يجمع بين القرآن الكريم والفقه والعقائد والأخلاق وسيرة أهل البيت عليهم السلام".
مبينا، "الهدف من هذه الدورات يتجاوز التعليم المباشر إلى تعزيز الوعي الديني والاجتماعي والأخلاقي، وربط الطلبة بالمساجد والحسينيات، وتنمية منظومة من القيم التي تسهم في بناء شخصياتهم وتوجيه سلوكهم".
الأسرة والمجتمع
ولا تنفصل هذه الجهود عن دور الأسرة والمجتمع في رعاية الطفل وتوجيه اهتماماته فالموهبة، مهما كانت واعدة، تحتاج إلى بيئة تحتضنها، وتشجيعٍ يمنح صاحبها الثقة، وفرص تساعده على التطور والاستمرار.
ويشير الأستاذ حيدر علي الفتلاوي، المشرف التربوي المتخصص في اللغة العربية، إلى أنّ "تربية الإنسان مسؤولية اجتماعية مشتركة، لا تقتصر على الوالدين وحدهما، بل تتطلب تعاون مختلف المؤسسات والجهات المعنية ببناء الأجيال".
ويضيف، "التكامل بين التربية والتعليم ودور الأسرة يمثل أساسًا مهمًا في بناء شخصية الطفل، ولا سيما في ظل المتغيرات الثقافية والاجتماعية التي تحيط بالناشئة.
مبينًا، "المبادرات القرآنية والتربوية يمكن أن تؤدي دورًا مساندًا للأسرة ومؤسسات الدولة في تعزيز القيم الدينية والأخلاقية لدى الأطفال".
ويرى الفتلاوي، إنّ هذه المشاريع توفر فرصٍ لتوجيه طاقات الطلبة نحو التعلم النافع، معربًا عن استعداده للتطوع في خدمة المشاركين مستقبلًا متى ما أتيحت له الفرصة.
آيات تحفظ ... وقيم تنمو
تتعدد الحكايات داخل المراكز القرآنية، ولكن ما يجمعها هو تلك الخطوات الأولى التي يخطوها الأطفال نحو عالم القرآن الكريم، طفل يفرح بإتمام سورة جديدة، وآخر يكتشف جمال صوته، وثالث يجد في كلمات أستاذه المشجعة سببًا إضافيًا للعودة في اليوم التالي.
وهنا تتجلى أهمية هذه المبادرات في استثمار أوقات الفراغ بما ينفع الناشئة، وتنمية قدراتهم على الحفظ والتركيز، وتعزيز مهاراتهم اللغوية، إلى جانب ترسيخ قيم الصدق والاحترام والانضباط والتعاون، في بيئة تعليمية تجمع بين المعرفة والرعاية والتشجيع.
وبينما يواصل أحمد حفظ سوره، ويخطط محمد لمستقبله قارئًا للقرآن الكريم، تمضي تجربة (صغارنا قرّاء) في رعاية المواهب منذ بداياتها، لتمنح الأطفال فرصة اكتشاف قدراتهم وصقلها، وتفتح أمامهم طريقا يلتقي فيه شغف الطفولة بعظمة الكتاب.