على مدى عدة أشهر متواصلة، استمرت أعمال الفحص والتقييم والتخطيط والتحضير قبل أن تلمس أيادي الفنيين حائط "الطارمة"، إنّها عملية بالغة التعقيد والدقة على حد سواء، خصوصًا إنّ لتلك الجدران اعتبارات شديدة الحساسية لما يمثله المكان من قدسية وأهمية لدى مئات ملايين المسلمين حول العالم.
إلّا أنّ تلك التحديات لم تقف عائقا أمَام قسم الشؤون الهندسية في العتبة العباسية المقدسة، فعملية تذهيب "الطارمة" كانت مهمة يجب تنفيذها على أكمل وجه، دون تأخير أو تقصير أو تشوهات.
و"الطارمة" وجمعها "طوارم" هو مصطلح معماري وتراثي شائع في العراق، وهو مَمرٌّ أو رواق مسقوف يحيط بفناء المبنى الداخلي، وغالبا ما يستند على أعمدة خشبية أو اسمنتية.
وتاريخيًّا كانت الطارمة عنصرا أساسيا في العمارة العراقية التقليدية، تُستخدم كمنطقة انتقالية بين مدخل المبنى الداخلي والبوابة الرئيسة.

وتمتد الطارمة داخل العتبة العباسية المقدسة على طول الواجهة الجنوبية للحرم الشريف بعرض يقارب 20-25 متراً، وعمق يصل إلى 4- 6 أمتار، وارتفاع يبلغ حوالي 8-10 أمتار حتى السقف، وتستند على أعمدة ذات ركائز ذهبية ضخمة يتراوح عددها الأساسي في الواجهة بين 6 إلى 8 أعمدة رئيسة ساندة، فضلًا عن دعامات الجدران والكتائب، وجرى تدعيمها حديثاً بركائز خرسانية عميقة (Piles) تحت الأرض لضمان ثبات البناء واستقراره أمام الأحمال الحركية للزوار.
تغير ملامحها العمرانية عبر الزمن
في الحقبة القاجارية والعثمانية كانت الطارمة تتكون من بناء خشبي ومقرنصات مطليّة ومزخرفة بصفائح ذهبية قديمة، وطُوّرت في القرن العشرين، حيث تم استبدال بعض الهياكل الخشبية القديمة وتجديد التذهيب والصيانة الهيكلية لامتصاص الأحمال.
وبعد ذلك أُنجِزَ مشروع التطوير الشامل الحديث، حيث شمل تقوية الهيكل الخرساني والدعامات الداخلية، واستبدال الخشب والتذهيب بستائر وصفائح نحاسية مذهّبة بتقنيات حديثة، وتغطية الأرضيات بالمرمر الفاخر وإضافة نظم تكييف وإضاءة مخفية.
ومن الأشخاص الذين كانوا وما زال لهم دورٌ كبيرٌ في تطوير المكان هم مراجع الدين والوكلاء مثل السيد محسن الحكيم، السيد الخوئي، والسيد السيستاني، فبرعايتهم وتوجيهاتهم أُجريَت صيانة المشاهد المشرفة.
وكذلك السلاطين والوجهاء السابقين مثل الوزراء العثمانيين والقاجاريين الذين تبرعوا بتذهيب الطارمات والمآذن عبر التاريخ.
فيشير المؤرخ السيد سلمان هادي آل طعمة إلى أنّ، "الحاجّ شكرُ الله بن بدل بك الأفشاريُّ أبدى اهتماماً ملحوظاً في الروضة العباسية المطهّرة، حيث سعى في تذهيب الإيوان الكائن أمام حرم أبي الفضل العبّاس عليه السلام وأنفق على ذلك كلّه".

مكملا، "ذلك جاء بإيعازٍ من زين الفقهاء والمجتهدين الشيخ زين العابدين الحائريّ المتوفّى 12 ذي القعدة 1309 ه، وكتب اسمه في الجانب الغربي من جدار الإيوان على صفائح الذهب بخطٍّ ذهبيٍّ موجودٍ إلى الآن، وتاريخ الكتابة سنة 1309 ه".
ويتابع، "أمّا الإيوان الصغير الذي يقع أمام الباب الأولى المعروف بـ (إيوان الذهب) قديماً، فقد أنشأه السلطان محمّد علي شاه اللكناهوريّ، كما قامت احترام الدولة كريمة فرهاد، عقيلة ناصر الدين شاه القاجاريّ بطلاء الواجهة الأمامية القريبة من سهوات الباب القبليّ بالذهب".
بدوره يبين الشيخ محمد ناظم، أحد المهتمين بالشؤون التاريخية والتراثية، أنّ "أوّل عمارة للمشهدين المشرفين في كربلاء المقدسة كانت على يد المختار الثقفي عام 65 ه، ثم بدأت العمارات تتوالى كعمارة الخليفة العباسي الشيعي المنتصر عام 247ه، وعمارة عضد الدولة البويهي وهي أشهرها عام 369 ه، ثم الفضل بن سهلان 457 ه".
أمّا أشهر عمارة، فهي التي جاءت بالإشارة من السلطان الصفوي عباس حفيد طهماسب، ببناء البهو والظلة ونضم الأروقة ووضع مآذن صغيرة على أبواب الحرم العباسي سنة 1032ه، ثم أمر السلطان عبد الحميد الثاني العثماني بإعادة بناء هذه السقيفة من الخشب العاج والزان ثم جددت فيما بعد لتصبح بما عليه اليوم.
الانتفاضة الشعبانية
وتعرضت العتبات المقدسة في كربلاء إلى الدمار إبّان الانتفاضة الشعبانية في 1991 م ومنها العتبة العباسية المشرفة، فلاقت ما لاقت من الدمار والتخريب على يد النظام المقبور.
وفي عام 1416 -1995 قامت وزارة الأوقاف بتذهيب الجزء الشمالي من الطارمة بسعي من أهالي كربلاء.
وحاليًّا تقع المهمة على عاتق الملاكات الهندسية والفنية التابعة لقسم المشاريع الهندسية في العتبة العباسية المقدسة، بالإضافة إلى مهندسين وفنيين متخصصين من العراق وإيران في صيانة وتذهيب المعادن وعمل المقرنصات المعقدة.
يقول المهندس حسين محمد باقر، من قسم المشاريع الهندسية التابع للعتبة العباسية المقدسة، "صُممت الطارمة على شكل إيوان مفتوح ضخم يتقدم المدخل الرئيسي للحرم الشريف لأسباب هندسية وجمالية".
مبينا، "تُشكّل المنطقة انتقالةً تدريجية ومجوفة بين الفناء الخارجي المكشوف الصحن والفضاء الداخلي المغلق، وإبراز الهيبة والمحورية للتجميع الإيواني المشهور في العمارة الإسلامية الرافدينية والإسلامية".
مضيفا، "يعطي ذلك مهابة بصرية وتأكيداً على مدخل الضريح، فضلًا عن التظليل والتهوية توفير مساحة مظللة واسعة تقي الزائرين حرارة الشمس والأمطار قبل دخولهم إلى الحرم".
معللًا، "تُعد منطقةَ تجمّعٍ وتنظيم لحركة الدخول والخروج من وإلى صحن العتبة والحرم، وإقامة المراسم العبادية حيث تُقام تحتها الصلوات الجماعية، وقراءة الأدعية، وتأدية مراسم زيارة الإمام الحسين وأبي الفضل العباس عليهما السلام، وكذلك تعطي عزلًا حراريًّا وبصريًّا، وحمايةً للأبواب الداخلية والشبّاك الشريف، من العوامل الجوية المباشرة".
مكملا، "تمتاز بواجهتها وسقفها وأعمدتها المطلية والمغلفة بالذهب النقي، الذهب الخالص عيار 24 مُطعّمًا ومطليًّا على نحاس مينّا".
مشيرًا، "سقفها الخشبي والذهبي المزخرف بالمقرنصات والمشاربيات المعقدة يمنحها إضاءات وانعكاسات بصرية فريدة، وتقع مباشرة عند المدخل الجنوبي الذهبي المؤدي إلى الروضة الشريفة".