لم يكن الزائرون الواقفون في صحن أبي الفضل العباس عليه السلام يترقبون بدء مجلس عزاء، ولا ينتظرون انطلاق محاضرة عابرة، بل توقفت خطواتهم عند حلقة دراسية حوزوية، كان فيها صوت الأستاذ يتردد بين أروقة المرقد الطاهر، فيما انشغل الطلبة بمتابعة شرح علمي يتطلب سنوات من البحث والتأمل.
على مقربة من الضريح الشريف، جلس طلبة العلوم الدينية حول أستاذهم السيد حيدر الكربلائي الموسوي البلوشي، مدير مدرسة دار العلم في العتبة العباسية المقدسة، وهو يشرح مباحث علم الأصول في مرحلة السطوح العليا، مستعرضًا عبارات صاحب الكفاية، المحقق الآخوند الخراساني، وما يرتبط بها من آراء الأصوليين ومناقشاتهم.
وبينما كان الدرس يمضي في تفاصيله العلمية، أخذ الاشخاص يقفون بالقرب من الحلقة، يتابعون حديث الأستاذ بانتباه.
لم يكونوا ضمن الطلبة الجالسين، لكنهم وجدوا في هذا المجلس فرصة للاستماع والاستفادة، فأنصتوا إلى الشرح، وكأنهم التحقوا بمقاعد الدراسة دون موعد مسبق.
ولم يكن المكان وحده ما يميز هذه الحلقة، بل طبيعة الدرس والغاية منه أيضا؛ إذ لا تقاس مدته بعدد الأسابيع أو الأشهر، وإنما بما يبلغه الطالب من تمكن علمي يؤهلّه لتدريس المادة بنفسه.
يقول الموسوي، إن "هذه الدروس مخصصة لمرحلة السطوح العليا، ولا ترتبط بمدة زمنية محددة".
موضحًا، "الهدف الأساس هو تخريج طالب يمتلك القدرة العلمية والملكة التدريسية التي تمكنه من شرح المادة ومناقشة مباحثها".
ويضيف، "الحلقة تضمّ عادةً ما بين 15 و20 طالبا، وأن دراسة هذه المادة قد تستغرق سنوات طويلة، بحسب مستوى التعمق والبحث، وربما تمتد إلى عشر سنوات، في رحلة لا يحدد نهايتها مرور الوقت، بقدر ما يحددها بلوغ المستوى العلمي المطلوب".
وعلى مقربة منه، ظلّ الزائرون يتابعون الدرس، تتنقل أنظارهم بين الأستاذ والطلبة، فيما كانت المصطلحات الأصولية تفتح أمامهم أبوابا من المعرفة لم يألفوها من قبل.
وربما لم يدركوا كل تفاصيل البحث، لكنهم وجدوا في الإصغاء فرصة للتعرف إلى جانب من الدراسة الحوزوية، حيث لا يكفي الاستماع إلى المعلومة، بل ينبغي فهمها ومناقشتها حتى تستقر في الذهن.
حين يتحول الأستاذ إلى طالب علم
لم تكن مهمة السيد حيدر في هذه الحلقة مقتصرة على نقل المعلومات إلى طلبته؛ فالتدريس في مرحلة السطوح العليا يضع الأستاذ أمام مسؤولية علمية كبيرة، تتطلب منه مراجعة الأقوال، واستحضار الأدلة، ومواجهة الإشكالات التي يثيرها البحث.
يصف السيد بعض اللحظات التي تعترض طريقه في أثناء الدرس، فحين تتوقف عند أحد المطالب العلمية، تجد نفسك بحاجة إلى مزيد من التأمل والبحث، حتى إنه يقول إن "القلم قد يعجز أحيانا عن مواصلة الشرح أمام الطلبة".
ويقول في حديثه عن هذه التجربة، إنّ بعض المطالب تقف أمامه، فيذهب إلى الضريح الشريف ويطلب العون، ثم يعود إلى الدرس، مستشعرًا دعمًا معنويًا يعينه على مواصلة البحث والشرح.
ولا يخفي تواضعه أمام طلبته، إذ يرى أنّ ما يقدمه من علم لا ينفصل عن التوفيق والبركة، وأنّ الأستاذ يظل، مهما بلغ من المعرفة، طالبا يتعلم ويبحث ويتباحث مع الآخرين.
وهذا المعنى لا يغيب عن طلبته فالشيخ كاظم الحاتمي، أحد المشاركين في هذه الدروس، يرى أنّ أسلوب السيد في التدريس يتجاوز إيصال المعلومة إلى بناء القدرة على تدريسها، بحيث يخرج الطالب وهو يمتلك ملكة علمية تؤهله لأن يصبح أستاذا للمادة مستقبلًا.
ويشير الحاتمي إلى، إنّ هذه الدروس أضافت إليه الكثير، مبينا، إنّه يشارك فيها منذ نحو خمس سنوات، وهي تجربة يصفها بالمهمة، لأنها تمنح للطالب تعمّقًا في المادة وتدريبًا على فهمها وتدريسها.
درس مفتوح على المعرفة
وبينما استمر السيد الحيدر في شرح مباحث، بقي الزائرون في أماكنهم، يستمعون إلى النقاش العلمي الدائر داخل الحلقة، لم يطلب منهم أحد الجلوس، ولم يكن ثمة ما يمنعهم من مواصلة طريقهم، لكن الدرس استوقفهم بما يحمله من جدية وهدوء وتركيز.
كانوا شهودا على مشهد تتداخل فيه العبادة مع طلب العلم؛ فهنا، في رحاب مرقد أبي الفضل العباس عليه السلام، لا تقتصر علاقة الزائر بالمكان على أداء الزيارة والدعاء، بل قد تمتد إلى الاستماع إلى درس حوزوي، أو التقاط فكرة علمية، أو اكتشاف جانب من حياة طلبة العلوم الدينية.
ومع مرور الوقت، لم تعد الحلقة بالنسبة إليهم مجرد مجموعة من الطلبة يجلسون حول أستاذ، بل مساحة مفتوحة للاستفادة، تتيح لكل من يمر بالمكان أن يتوقف قليلًا ويصغي، وربما يغادر وهو يحمل معلومة جديدة أو تساؤلًا يدفعه إلى مزيد من المعرفة.
أما الطلبة، فواصلوا إنصاتهم ومتابعة الدرس، مدركين أن الطريق إلى امتلاك الملكة العلمية لا يُختصر بمحاضرة واحدة، وأن الوصول إلى مرتبة التدريس يحتاج إلى صبر ومثابرة ومراجعة مستمرة.
وهكذا، في حضرة أبي الفضل العباس عليه السلام، تمضي الحلقة في رحلتها العلمية، لا يحدها زمن ثابت، ولا تنحصر فائدتها في الجالسين داخلها؛ فربما كان أحد المارة مستمعًا عابرا، لكنه يغدو في تلك اللحظة جزءا من مجلس للعلم، تتسع أبوابه لكل من يقف ليصغي، ويمنح المعرفة فرصة لأن تعبر من قلب الدرس إلى قلوب الآخرين.