يشعر أحمد ماميثة بالرضا وهو يرى علامات الارتياح ترتسم على وجوه زملائه وهم يشاهدون العرض الأول لفيلم علي الأكبر عليه السلام.
فأحمد الذي يدير مركز الجود للرسوم المتحركة تمكن في فترة قياسية من إنتاج فيلم يروي بطولات نجل الإمام الحسين علي الأكبر في الساعات الأخيرة من واقعة الطف الخالدة.
ذلك الإنجاز المتميز أنتج عن طريق تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وجاء ضمن جملة أعمال مماثلة يفتخر أحمد ماميثة وزملاؤه بإنتاجها.
فيقول ماميثة، "عملنا على صياغة القصة بصورة مختصرة، وتحديد مسارها الدرامي من البداية إلى النهاية".
موضحًا، "حاولنا قدر الإمكان إبراز الحدث التاريخي، مع مراعاة عرض أهم التفاصيل في المعركة ودور وشخصية علي الأكبر عليه السلام".

مضيفا، "لذلك وظفنا أهم الوقائع التاريخية لشخصية البطل في المعركة لتكون نواة الفيلم، وصياغة تفاصيله وأجزائه".
ومركز الجود للرسوم المتحركة التابع لقسم الإعلام في العتبة العباسية المقدسة، هو استوديو متخصص بإنتاج أعمال الأنيميشن ثنائية وثلاثية الأبعاد وتقنيات المستقبل، تأسس في عام 2014 على يد مجموعة من الفنانين العراقيين، ويقع مقرّه في مدينة كربلاء المقدسة.
وعُرض الفيلم لأول مرة على منصات التواصل الاجتماعي الخاص بأستوديو الجود ضمن اليوم المخصص لاستشهاد الإمام علي الأكبر عليه السلام، وحضي بتفاعل مبهر.
مراحل عمل الفيلم
يقول ماميثة، "تميّز هذا العمل بأمور استثنائية عِدّة، أولها، إنّه أُنجِز في فترة قياسية استغرقت شهرا واحدا فقط، في حين، إنّ أيّ عمل مماثل كان سيستغرق مدة سنة كاملة على أقل تقدير".
مضيفًا، "خطوات العمل ابتدأت بموازنة تفاصيل القصة مع متطلبات الفيلم القصير ورؤية العتبة".
موضحًا، "بمعنى أنّ أحوّل القصة إلى ستوري بورد، أي إلى لقطات مرسومة أو ممثلة بصريا".
مستدركا، "في هذه المرحلة، أبدأ بتحديد حجم اللقطة، وزاوية الكاميرا، وموقع الشخصيات داخل الكادر، واتجاه الحركة، وانتقالات الكاميرا، وتتابع المشاهد، والمدة التقريبية لكل لقطة".
ويتابع ماميثة، "الخطوة التي تليها هي التصميم البصري للشخصيات، كركتر شيت، أو التصميم البصري للبيئات، ثم استخدم أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنتاج اللقطات على وفق التصور الإخراجي المحدد مع التعامل مع كلّ لقطة بوصفها جزءًا من فيلم واحد".

مشيرا، "كان الاهتمام الأكبر ينصبّ على أمانة الرواية، وقوة البناء الدرامي، والمعالجة الفنية المؤثرة، خصوصًا في معالجة شخصية تاريخية ودينية، وواقعة تاريخية لها مكانتها في الوجدان الإسلامي".
رؤية كاتب النص
من جهته يرى مصطفى الكرعاوي مؤلف نص الفيلم، أنّ الذكاء الاصطناعي منحه فرصة تقديم هذه القصة بصريا بطريقة تلامس الحس الإبداعي والروية الإبداعية التي بداخله.
قائلاً، "إنّها اللغة البصرية الحديثة القادرة على جعل النصوص أكثر قربًا وتأثيرًا، خصوصا فيما يتعلق بالتراث الإسلامي والتاريخي".
مضيفا، "كما بات خطاب تلك الأعمال يلامس الجمهور العالمي وبلغات وأساليب بصرية متعددة مع المحافظة على المصداقية".
معلقا، إنّ "التقنيات البصرية العالية سواء أكانت ثنائية الأبعاد أو ثلاثية، تمسك بتفاصيل البيئة التاريخية بدقة عالية، مما يضفي واقعية على المشاهد المعروضة".
ويشير مؤلف العمل إلى، إنّ "الذكاء الاصطناعي لم يفرض القيود في الكتابة، ولكن عند كتابة القصة يجب أن يتخيّل الصورة قبل الكلمة".
موضحا، "الذكاء الاصطناعي لا يفهم المشاعر كما يفهمها الإنسان، لذلك احتجنا للكثير من التعديلات".
الرؤية الفنية والبدايات
بدوره يعلق أحمد الصفار الذي يتولى مسؤولية "دوبلاج" فيلم علي الأكبر عليه السلام، إنّ "عملية اختيار الأصوات عملية معقدة جدا".
موضحا، "تحتم مراعاة الصفات الشخصية كالرزانة والصوت الهادئ، وما إلى ذلك من كمالات شخصية الإمام على الأكبر".
مضيفاً، "التناسق والتكامل الفنيين، بين أصوات المؤدين، والموسيقى التصويرية، والمؤثرات الصوتية، جميعها عناصر تحقق المؤثر النفسي للمتلقي".
مبيناً، "هذا ما حتم علينا فرضية اختيار ممثلين ومؤدين للدوبلاج على مستوى عالٍ من الحرفية، ممن يشتغلون في المجال الديني والشخصية التاريخية".
مشيرا، "جرى اختيار مؤدين يمتلكون مهارة عالية في أداء هذه الشخصيات مثل، الأستاذ علاء الموسوي، والفنان أحمد الصفار، والفنان كرار الصافي".
صراع نفسي حاد
فيما يعلّق الأستاذ علاء مصطفى علي الموسوي أحد اساتذة معهد الفنون الجميلة في كربلاء المقدسة ومؤدي صوت شخصية الامام الحسين عليه السلام قائلا، "عشت لحظات تردد وخوف عميقين، فالمسؤولية ليست بالسهلة، عندما يتعلق الأمر بنقل مظلومية وتضحيات شخصيات طاهرة ومقدسة بهذا الحجم، ولكن سرعان ما تحوّل الخوف إلى دافع قوي للقبول والالتزام، دافع يمليه الواجب الإنساني والرسالي ".
مُكمِلًا، "لذلك أعتقد أن المشهد الأكثر صعوبة وصدمة عاطفياً، كان مشهد الوداع الأخير، وتفاصيل الفجيعة في خيام الطف، ولا سيما لحظات استشهاد الأبناء البررة والأصحاب الاوفياء".
مشيرًا، "كان صعباً للغاية، لأنني لم أكن أؤدي دوراً أمثّل فيه الألم، بل كنت أعايشه بكل تفاصيله النفسية والصوتية".

بدوره يشير مصطفى العقيلي مهندس الصوت إلى أنّ العمل كان تحديًا كبيرًا وفرصةً لصناعة تجربة سمعية تحمل ثقل الحدث التاريخي والبعد الإنساني في الوقت نفسه.
ويقول، "أخضع السيناريو إلى دراسة دقيقة لتحديد الإيقاع الدرامي لكل مشهد، ثم مناقشة المخرج في رؤيته الفنية، وما يريد أن يشعر به المشاهد أكثر مما يريد أن يسمعه".
موضحاً، "بعد ذلك تبدأ عملية تقسيم الفيلم على بيئات صوتية مختلفة، بحيث تمتلك كل بيئة طابعها الخاص، سواء في الهدوء أو التوتر أو المشاهد الملحمية، والهدف أن يكون الصوت جزءا من السرد، لا مجرد عنصر يرافق الصورة".
لافتا، "في هذا النوع من الأفلام استخدمنا تقنيات حديثة في المزج والتوزيع المكاني للصوت، لكننا مقابل ذلك تجنبنا أي مؤثر قد يمنح المشاهد إحساسا بعصر مختلف، حتى يعيش الحدث بوجدانه، لا أن يلاحظ التقنيات المستخدمة".
مستدركا، "أحيانا كان الصمت أكثر تأثيرا من أي مؤثر صوتي، وأحيانًا كان صوت السيوف أو حركة الخيل هو الذي يقود المشهد ".
مضيفاً، "من الناحية التقنية، كان مشهد القتال والشهادة هو الأصعب، لأنّه يجمع بين عنصرين متناقضين، الحركة العنيفة والمشاعر العميقة؛ لذلك عملنا على بناء إيقاع صوتي يتغير مع تطور الحدث ".
مختتماً، "بالنتيجة هذا النوع من الفراغ يجعل المشاهد يركز على الحالة النفسية للشخصية، ويمنح اللحظة ثقلا عاطفيا أكبر من أي ازدحام صوتي".