image alt

عاشوراء 1448هـ... ليلة ارتقاء الراية السوداء

عاشوراء 1448هـ... ليلة ارتقاء الراية السوداء


ما إن انتهى المصلّون من أداة صلاة المغرب، وهم بين تسبيح ودعاء، أُوْقِدَت مئات المصابيح الحمراء، لتنسج أشعةً أضاءتها قبّة من نور فوق القباب الذهبية، وساحة بين الحرمين الشريفين، في مشهد مهيب يقرع النفوس ويرسي أولى مشاعر الحزن والألم في قلوب الحشود المليونية المتجمهرة في تلك البقعة.

كانت الأجواء تشي بأنّ حدثًا جللًا قد وقع، وأنّ المدينة أجمعها باتت أسيرة فاجعة كبرى، فيما ترتسم على وجوه الناس نظرات تمتزج فيها المشاعر وتضطرب الأحاسيس.

كان مركز محافظة كربلاء المقدسة، أو ما يُعرف بالمدينة القديمة يستعد في تلك اللحظات إلى الإعلان عن دخولها موسم الألم والبكاء، بعد أن تهيأت جدرانها التي اتشحت بالسواد أسوة بسكانها، فلا كبير أو صغير، ولا رجل أو امرأة، إلا وتغطي أجسادهم الأقمشة السوداء، كعلامة تضامن مطلقة مع مصيبة عاشوراء، تلك المأساة التي ألمّت بآل بيت رسول الله صلى الله عليهم أجمعين، في تقليد مُتّبع تُحيا عن طريقه ذكرى واقعة الطف بشعائر مُقدّسة ومراسم مُتوارَثة من جيل إلى جيل منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام على التوالي.

desc-612f1d29907ddce5.jpeg


كان ما يلفت النظر أنّ هناك ما ينمّ عن تنظيم مسبق لذلك المشهد، إذ كانت النساء تتوزع ضمن قطاعات خاصة مفصولة بحواجز معدنية عن أماكن وقوف الرجال، وكما يبدو أنّ هناك التزام ذاتي بذلك التنظيم، خصوصا مع وجود تلك الأعداد الضخمة من الناس.

بين الحشد كان الحاج أبو أحمد الحسيني، ابن السبعين عامًا، القادم من العاصمة بغداد يقلّب رؤياه يمينًا ويسارًا، والسكينة والخشوع تملأ عينيه، وقد اختار أن يشهد هذه المراسم دون أن تثنيه مشقة السفر أو يُعيِيه الزحام.

فهو كما قال، يواظب على المشاركة في هذه الشعائر المقدسة منذ ثلاثة عشر عامًا دون انقطاع.

كانت عيناه تتلألآن بعشقٍ لا يُوصف، وبفخرٍ واعتزازٍ يفوق قدرة الكلمات على التعبير، مكتفيا بتعليق مقتضب قبل أن تنهمر دموعه، "ليتني أقضي حياتي خادما عند آل رسول الله صلى الله عليهم أجمعين".

وفي موقف اختصر سنواتٍ من الوفاء والإخلاص، يرى الحاج علي صابر خلف، ابن الستين عامًا، الذي وفد من محافظة بابل، أنّ يوم تبديل الراية مناسبة لم ولن تكون عابرة في حياته، بل هو موعد سنوي يترقبّه بشوقٍ كبير، يحمل فيه قلبه قبل قدميه إلى كربلاء المقدسة.

ويقول، "لم أتخلّف عن هذه المراسم منذ عام 2016، فهي بالنسبة لي تجديد للوفاء والعهد لنصرة الإمام الحسين عليه السلام".

مضيفا، "في كلّ مرّة أشهد فيها هذه المراسم، أشعر بهوان الدنيا وما فيها، وتتلاشى جميع همومي وأوجاعي، وتحتضن الطمأنينة قلبي قبل أن تطأ قدماي أرض الحرم."

وبين صفوف الحشد، يقف يحيى حيدر صبيح، البالغ من العمر اثنين وثلاثين عاماً، مع ثلاثة من أفراد عائلته، وهم من أبناء محافظة المثنى.

ويتابع يحيى المراسم بعينين تلتقطان كلّ تفصيل، وهو يصف مشاعره بالجياشة وهو يستذكر مصاب الإمام الحسين وآل بيته عليهم السلام، وصحبه الكرام.

ويروي يحيى أنّه يقصد المشاركة في مراسم تبديل الراية كلّ عام منذ نحو ثلاث سنوات.

ويقول، "هذه الشعيرة تمنحني فرصة لاستذكار مصائب أهل البيت وما جرى على الإمام الحسين وأهل بيته عليهم السلام من مآسٍ وآلام."

مبينا، "أحصد شعوراً بالسكينة والقرب من الله سبحانه وتعالى، وأنّ الأجواء الإيمانية في منطقة بين الحرمين الشريفين، وداخل العتبتين المقدستين تتجاوز قدرة الكلمات على وصفها."

desc-777e8f8bc4699696.jpeg


الجوقة العسكرية

ووسط صخب الحشود، التي كانت تملأ حرفيا كلّ موطئ قدم في ساحة بين الحرمين وأَصْحُنِ العتبتين الحسينية والعباسية المطهرتين، انطلقت أصوات الأبواق التي اخترقت بقوة الضجيج المتصاعد وأطاحت به، لتفرض صمتًا طوعيًّا أطبق على الأفواه وشخصت له الأبصار، كأنّه يوم الحشر.

تلك الأبواق التي كانت إيذانا لإنزال الرايتين الحمراوين واستبدالهما بالسوداوين فوق قبتي الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس عليهما السلام، في آخر ليلة من شهر ذي الحجة نهاية عام 1447، وبداية اليوم الأول من شهر محرم الحرام 1448، بحسب التقويم الهجري، معلنة عن موسم العزاء والأيام العشرة المعروفة بعاشوراء.

كان الكردوس العسكري الذي يضم الجوق الموسيقي، قد اصطف مقابل باب قبلة العتبة الحسينية المقدسة، وباشر بأداء معزوفة عسكرية مهيبة، في وضعية تشريفية صارمة تعكس انضباطاً عسكرياً عالياً، بينما تتركز أنظار الحشد المحيط على أفراده.

desc-afc7ef65587adc0f.jpeg


فيما كان لمعان آلاتهم النحاسية وانعكاس بريقها تحت الإضاءة البيضاء، يعكس شعورا لدى الحشد يمزج بين الإعجاب والانبهار في آنٍ واحد، وعندما تعالى إيقاع العزف لحظة انطلاق مراسم تبديل الرايتين، في حين جمعت النوتة الموسيقية التي عزفها أفراد الجوق الموسيقي بين الصرامة العسكرية والشجن الديني حتى تتغير الإضاءة إلى اللون الأحمر، كإشارة لحلول الذكرى المؤلمة لشهر محرم الحرام.

تلك النوتة الموسيقية التي عُزفت، تعود لتقاليد الموسيقى العسكرية الجنائزية، وهي ألحان نشأت أساساً لمرافقة مراسم الحداد أو التشييع في الجيوش النظامية، قبل أن تنتقل إلى عدد من المراسم الرسمية والدينية، لما تحمله من إيقاع مهيب ونبرة حزينة تتناسب مع أجواء الاستذكار والعزاء.

تقنيات وفضائيات

وفي الوقت الذي كانت الحشود تتطلّع صوب القباب في عملية استبدال الرايتين، كانت تبرز الشاشات التلفزيونية العملاقة التي شُيدت لعرض الحدث عن قرب، لتمكين أكبر عدد من المشاركين في تلك المراسيم من مشاهدة أدقّ التفاصيل.

فلم ينفك مسؤول وحدة الشاشات، السيد جهاد الحيدري من مراقبة أداء عمليات العرض دون غفلة، ويبدو على ملامحه حرصا شديدا على أدق التفاصيل.

قائلًا، "تحرص الأمانة العامة للعتبة العباسية المقدسة على إتاحة الفرصة أمام أكبر عددٍ من الزائرين لمتابعة مراسم تبديل الراية".

ويضيف، "استنفر جميع منتسبي شعبة الاتّصالات في قسم المشاريع الهندسية لإتمام هذه المهمة على أكمل وجه".

معلّقًا، "إنه أحد الأيام الاستثنائية التي تشهدها مدينة كربلاء المقدسة".

desc-616f6458e7b02846.jpeg


ما قبل المراسم

وقبيل ساعات من بدء مراسم تبديل الرايات، كانت تحضيرات لجميع المشاركين في إحياء هذه المناسبة.

إذ يتّبع الأهالي نهجًا متوارثا منذ أجيال، يتناسق مع أجواء الحداد التي يشهدهما شهري محرم الحرام وصفر.

فمع اقتراب هلال شهر محرم الحرام، تتحوّل البيوت والأزقة إلى ورش عمل صامتة تعبق منها رائحة الحزن والولاء الحسيني الخالد.

إذ يقف حسن، الشاب العشرينيّ، في زاوية غرفته مُمسكا بالمكواة، عاقدا العزم على كيّ دشداشته السوداء، استعدادا لاستقبال شهر موسم الأحزان الكربلائي كما يصفه.

وهذا الفعل يَعدّه حسن "أول طقس من طقوس الدخول في أجواء عاشوراء".

 مُعلّقا، "للملابس السوداء في محرم الحرام هيبة خاصة، أشعر فيها بصدق الموقف، وجلالة الحزن على خامس أهل الكساء، الإمام الحسين عليه السلام".

ويضيف، "لبس السواد هو هويتنا في هذه الأيّام، التي نرجو فيها أن نكون في عداد من تزول عنهم الذنوب ونحن نواسي أهل البيت عليهم السلام".

المصابيح في أغلب منازل أحياء المدينة تستمر بالإضاءة دون انطفاء حتى ساعة متأخرة من الليل، والأمهات يغسلن الرايات السوداء، والشباب يجهّزون الجلابيب السوداء، وحتى الأطفال على نفس المنوال.

في السياق ذاته.. يحرص الأب "احمد علي" على الاستعداد لاستقبال شهر محرم الحرام بمعية جميع أفراد عائلته بالتحضير المسبق.

فيقول، "نعدّ مظاهر الحداد والحزن لهذه المناسبة بشكل جماعي داخل العائلة".

موضحًا، "نجهز الرايات السوداء لرفعها فوق المنزل، وبعض اللافتات القماشية التي تَخط عبارات مواساة النبي محمد وأهل بيته صلوات الله عليهم، فضلًا عن شراء الملابس السوداء".

desc-0658abec2f9ad68f.jpeg


 ارتقاء الرايات

غزارة الدموع ومظاهر الحزن التي اجتاحت الحشود كانتا تلقيان في قلب المشاهد لوعة تجعله يجهش في البكاء دون أن يتمالك نفسه.

فما إن ارتقت الرايتان السوداوان أعلى قبتي الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس عليهما السلام، حتى تعالت أصوات النحيب الصادرة عن المشاركين في المراسم.

فلا كبير أو صغير، رجل كان أو امرأة، إلّا وانهمرت دموعه، وكأنّ واقعة كربلاء تجددت هذه الليلة، وليست ذكرى مَرّ على وقوعها أكثر من ألف وأربعمائة عام.

كان العلماء والفقهاء وطلبة العلوم الدينية في صدارة الحشود، فيما كان لإطلالتهم وقع مؤثر في نفوس الحشود، خصوصا أنهم كانوا يعتمرون العمائم التي ترمز لعمامة رسول الله وأهل بيته صلوات الله عليهم.

فيما كان للمتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة، السيد أحمد الصافي، الذي اتّشح بالسواد بشكل كامل، ابتداءً من عمامته وجلبابه وعباءته السوداء، بمشهد مهيب، خصوصا مع ما يتميّز به من قامة طويلة وملامحَ حادّة تُلفتُ الأنظار، مُتقدِّما رجال الدين ومسؤولي العتبة المقدسة.

فلم تمضِ دقائقٌ من رفع الراية السوداء، حتى ابتدأت المراثي الحسينية، والقصائد الشعرية التي تمجّد بنهضة الإمام الحسين عليه السلام، قبل أن يُلقيَ السيد الصافي كلمته.

desc-e15ed536f052645e.jpeg

يتبع