image alt

عاشوراء 1448هـ ... حامل المشعل

عاشوراء 1448هـ ... حامل المشعل


مع انبلاج فجر الثاني من محرم الحرام، كانت أزقة كربلاء القديمة تستعيد ذاكرتها السنوية وتتهيأ لاستقبال أولى مواكب العزاء التي تحمل رايات الحزن والولاء للإمام الحسين عليه السلام.

وفي قلب هذا المشهد، كان علي كريم رحمان الجبوري، أحد ملاكات شعبة التواصل التابعة لقسم المواكب والشعائر الحسينية في العتبة العباسية المقدسة، يتنقل بين الشوارع والأزقة القديمة، ويتابع حركة المواكب ويشرف على انسيابية مسيرها، وكأنّه حلقة وصل بين الماضي العريق والحاضر الذي يستعد لاستقبال ملايين الزائرين.

لم يكن الجبوري يعمل وحيداً في هذه المهمة، فخلفه تقف منظومة كاملة من الخدام والمنظمين الذين يواصلون الليل بالنهار لإنجاح موسم العزاء.

وبينما كان يتفقّد أماكن انتشار المواكب الخدمية، ويراقب نوعية الأطعمة المُقدَّمة للزائرين ومستوى النظافة وإجراءات السلامة، كانت هناك خطة واسعة يشرف عليها معاون رئيس قسم المواكب والشعائر الحسينية في العراق والعالم الإسلامي الحاج كاظم صالح مهدي.

desc-7cf0adfc5bfc9790.jpeg

ويشير الحاج مهدي إلى أنّ "الأيام الأولى من محرم تمثّل مرحلة الاستعداد الكبرى قبل وصول المواكب إلى ذروة نشاطها".

مبينا، "جميع المواكب الخدمية باشرت أعمالها منذ الساعات الأولى، فيما انتشرت فرق المتابعة الميدانية لمراقبة مواقع المواكب ونوعية الخدمات المقدمة ومستوى الإنتاجية والالتزام بالمعايير الصحية والخدمية".

وكما يبدو فقد جرى توزيع المنتسبين والمتطوعين على عدد من القواطع الميدانية لتأمين انسيابية حركة المواكب والزائرين داخل المدينة القديمة ومحيط العتبتين المقدستين.

في الوقت الذي كان فيه الجبوري يواكب حركة المواكب في الشوارع، كانت أصوات المراثي الحسينية ترتفع من أزقة محلة باب الخان، حاملة معها حكايات عمرها عشرات السنين.

هناك يستعيد السيد عبد الله اللاوندي، أحد رواد طرف باب الخان، ذاكرة كربلاء القديمة عندما كانت أطراف المدينة كلها تجتمع تحت خيمة الفاضلية قرب مرقد أبي الفضل العباس عليه السلام، قبل أن تتشكل الهيئات والأطراف المستقلة التي أصبحت اليوم جزءاً أصيلاً من المشهد الحسيني.

وتقع تلك المحلة العريقة في قلب المدينة القديمة، من الجهة الشرقية للعتبة العباسية المقدسة.

يروي اللاوندي كيف كانت مواكب باب الخان وباب العلوة وباب بغداد والعباسية تلتقي في مكان واحد، وكيف تطورت الشعائر عبر العقود حتى أصبحت المواكب أكثر تنظيماً واتساعاً، مع الحفاظ على جوهرها الذي يقوم على حُبّ الإمام الحسين عليه السلام وخدمة زائريه.

desc-548bac1e95a9384c.jpeg

وبينما ينظر إلى المواكب التي تعبر اليوم شوارع المدينة، يرى فيها امتداداً لذاكرة الآباء والأجداد الذين حافظوا على هذه الشعائر على الرغم من كلّ الظروف التي مرت بها كربلاء.

ومع حلول المساء، تزداد الحركة في المدينة القديمة، فمواكب العزاء تشق طريقها نحو مرقد أبي الفضل العباس عليه السلام، فيما تتوزع المواكب الخدمية لتقديم الطعام والشراب للزائرين.

هنا يواصل الجبوري مهمته في متابعة حركة المواكب والتأكد من التزامها بالأوقات المحددة، حتى لا يؤثّر تأخّر موكب على حركة المواكب الأخرى أو على انسيابية سير الزائرين.

وتظهر الشراكة الحقيقية بين الجميع في هذه الليالي الأولى من محرم الحرام، فالحاج كاظم صالح مهدي يضع الخطط ويتابع تنفيذها ميدانياً، وعلي كريم الجبوري يجسّدها على أرض الواقع عن طريق مراقبة المواكب والخدمات، فيما يحمل السيد عبد الله اللاوندي ذاكرة المكان وتراثه، ليبقى الماضي حاضراً في تفاصيل الحاضر.

تتجسد هذه الشراكة بصورة مختلفة، بين متطوع يحمل كيس نفايات حفاظاً على نظافة الطريق، وخادم يوزع الماء على الزائرين، وصاحب موكب يراجع تعليمات السلامة، ورائد من رواد الأطراف الحسينية يروي للأجيال الشابة حكايات البدايات الأولى، وجميعهم يلتقون عند هدف واحد، هو خدمة الإمام الحسين (عليه السلام) وإحياء شعائره بأفضل صورة ممكنة.

desc-a5b688392ad74c52.jpeg

حامل المشعل

في زاوية قريبة من باب الخان، يجلس الحاج عبد الحسين أبو سجاد مُمسكًا بقدح الشاي الساخن، وهو يتأمّل الهيكل الحديدي المُزيّن بالريش الأبيض والدرر الزجاجية، فالحاج أبو سجاد يحمل المشعل منذ أن كان في الرابعة والعشرين من عمره.

يقول والابتسامة تعلو محياه، "عمري شارف على الستين، والطب يقول أنّ غضاريف ظهري تآكلت، لكنّني بمجرد أن أضع وسادة الحمل على كتفي أشعر أنّي ابن العشرين، فالقوة لا تكمن في العضلات، بل في القلب".

مبينًا، "المشعل الكربلائي مُصمَّم على شكل سفينة مزينة بالريش الملون، والدرر الزجاجية، والأزهار، وتُركَّب عليه قناديل أو مشاعل غازية أحيانا وكهربائية أحيانا أخرى مصممة بإتقان، فيما يبلغ وزن الهودج ما بين (250 الى 400) كيلو غراما".

والمشعل الحسيني في كربلاء واحد من أبرز الرموز والشعائر التقليدية التاريخية التي تُمَيِّز عزاء الأطراف والأصناف الكربلائية في شهر محرم الحرام، إذ يحمل هذا الطقس دلالات روحية وعقائدية عميقة، ويتطلب مهارة بدنية وتنظيمية عالية من (حامل المشعل) والمحيطيين به.

ويلفت الحاج أبو سجاد، "قديما قبل أن تتوفر الكهرباء والإنارة الحديثة، لم تكن المواكب تُعرف بأسماء مكتوبة، بل كان لكلّ طرف من أطراف كربلاء القديمة مشعل ذو تصميم هندسي وألوان خاصة تميزه عن غيره، وبمجرد دخول المشعل إلى منطقة الحرمين يعرف الأهالي أيّ طرف قد حضر لعزاء سيد الشهداء".

مؤكّدًا على أنّ "جذور هذه الشعيرة بحسب وصف المؤرخين تعود إلى زمن البويهيين قبل أكثر من ألف عام، حين كانت طرقات المدن مظلمة، فكانت المشاعل تُرفع لإضاءة الدرب أمام مواكب المعزين".

desc-521443d4af29f082.jpeg

مستطردا، "مع مرور الأجيال تحوّل من حاجة خدمية إلى رمزية روحية عميقة، تخفي من وراءها رمزية النيران التي أُضرمت في خيام آل بيت الإمام الحسين بعد واقعة الطف، وفي الوقت ذاته هي إعلان نار الحزن المتقدة في قلوب المحبين والتي لا تنطفئ".

وكما يبدو فإنّ خَلْفَ حامل المشعل يتحرك نظام دقيق لضمان سلامة الموكب وثباته، فلا يسير حامل المشعل بمفرده، بل يحيط به رجلان يُطلق عليهما في لغة المواكب (اللقافة) أحدهما يسير من أمامه والآخر من خلفه، يترقبون أيّ اختلال في توازنه بسبب ثقل المشعل، ليسندوه فورا خوفا من سقوطه وسط الجموع.

كانت مسيرة حامل المشعل يرافقها موكب قرع عنيف ومنتظم على الطبول الكبيرة وصوت الصنوج النحاسية والنفخ بالبوق، هذا الإيقاع الحماسي يحدد سرعة دوران حامل المشعل حول نفسه فضلا عن خطواته وسط الجموع المحتشدة".

من جانبه يعلق الحاج محمد الحجيمي، المسؤول عن تنظيم أحد المشاعل الكربلائية قائلا، "هناك قيادة موحدة لكلّ هودج، وهناك شخص يسمى (المُوَجِّه) أو (الدليل)، وهو من يوجّه الحركة يمينا أو يسارا، ويحدد متى يتم تبديل الاكتاف (المناوبة)".


حامل مشعل بالوراثة

الشاب رائد مصطفى أحد الشبان الكربلائيين الذين يؤدّون دور حمل المشعل في أثناء انطلاق المواكب العزائية.

ورائد يتميز بعضلات مفتولة تساعده في تأدية هذه المهمة الثقيلة، ينتمي إلى موكب عزاء طرف العباسية.

كشف أنّ توارث هذه المهمة عن والده المتوفي منذ ثمان سنوات متتالية، قائلا، "كان والدي حاملا للمشعل لأكثر من ثلاثة عقود، قبل وفاته أوصاني بــ (الحزام والوسادة)، وهي العدة التقليدية لحمل الثقل، في أوّل مرة حملته بعد وفاته، بكيت بحرقة تحت وطأة الوزن، وشعرت بروح أبي تسند كتفي".

مضيفًا، "قديما كان آباؤنا يكتوون كثيرا بنفط المصابيح وسخامها، أمّا اليوم أدخلنا إضاءة البطاريات الجافة وخففنا وزن الهيكل باستخدام الالمنيوم بدون المساس بالهيكل الهندسي للسفينة".

مشدّدًا، "التطور مطلوب ليظل الشباب مقبلين على هذه الخدمة دون تعريض أنفسهم لإصابات بليغة".

لكنّ هذا المعنى لا يستقيم بأيّ حال من الأحوال مع ما يذهب إليه الشاب كرار مهدي الأسدي (21عامًا) الذي يرفض البدائل التكنالوجية ويصرّ على محاكاة إرث الأجداد بحذافيره.

ويأمل كرار أن يكون حاملًا للمشعل بشكل دائم، فهو لم يُكلَّف حتى الآن بحسب قوله في تولّي المهمة بشكل دائم.

ويقول، "العام الماضي سمح لي كبار الموكب بحمل المشعل لدورة واحدة ولمدة لا تتجاوز دقيقتين فقط".

مبينا، "شعرت أنّ الأرض تدور بي، وثقل الحديد كان يغرس قدمي في أرضية منطقة بين الحرمين الشريفين، ولكنّ تشجيع كبار السن وصيحات العزاء حفز بداخلي طاقة لا توصف".

مضيفًا، "يعتقد البعض من جيلنا أنّ هذه الطقوس تكاد تكون تقليدية وقديمة، لكنّني أرى فيها هويتنا، التي لا يمكن التفريط بها، وذلك على اعتبار أنّ المشعل الحسيني يجمعنا ويعلّمنا الصبر الشديد".

مختتما بكلمات يملؤها الفخر، "في مقابل ذلك نحن نُثبِتُ للقاصي والداني أنّ شباب كربلاء ما زالوا متمسكين بجذورهم مهما تغيّر الزمن".