اليوم الثاني من محرم.. تحت أشعة الشمس الملتهبة، وفي بقعة تعج بالرايات السوداء والخضراء، جلس الحاج صادق بسَحنته السمراء، يتأمل أدقّ تفاصيل الرحلة العاشورائية.
يرفع صوت بوق نحاسي قديم ليشق صمت المترقّبين، في تلك اللحظة، حيث مالت الشمس عصرا، يتوقف الزمن ليعود غارقا في التاريخ قبل نحو أربعة عشر قرنا.
كان صهيل الخيول يعلو فوق أصوات الجموع، فيما امتزج قرع الطبول بنحيب الزائرين الذين اصطفوا على جانبي الطريق مترقبين لحظة تجسيد دخول الإمام الحسين عليه السلام إلى كربلاء.
نحن هنا في قلب عزاء عاشوراء، حيث انطلق "موكب التشابيه" لتقديم عرضه السنوي الأضخم، مجسدا لحظات دخول قافلة الإمام الحسين عليه السلام إلى أرض كربلاء.
لقد حرص موكب الحيدرية وهو أحد أقدم المواكب الحسينية في مدينة كربلاء المقدسة على إعداد موكب التشابيه (فرقة تمثيلية تجسد قافلة الإمام الحسين عليه السلام) بشكل مُتقَن، مستندا بذلك على بيانات ودراسات تاريخية.

وبينما كانت شخصيات التشابيه تتحرك ببطء وسط آلاف الأنظار، بدت الدموع حاضرة أكثر من الكلمات، وكأن المشهد يعيد واقعة الطف إلى الذاكرة من جديد، لتتحول شوارع وساحات كربلاء المقدسة إلى مسرح متنقّل يمتزج فيه العزاء بالفن التعبيري الفطري.
ومع كل خطوة في مسيرة موكب "التشابيه" لدخول قافلة الإمام الحسين عليه السلام، كانت ملامح التأثر واضحة على وجوه الحاضرين، فبعضهم رفع يديه بالدعاء، وآخرون أخفوا دموعهم خلف رايات سوداء خفّاقة، بينما تعالت أصوات اللطم كلما اقتربت الخيول والجمال التي تجسد رحلة الركب الحسيني.
كانت الأمهات تضم أبناءها، والشيوخ يردّدون السلام على الحسين بصوتٍ مرتجف، فيما امتزجت أصوات النحيب بنداءات المواساة القادمة من كل اتجاه.
هناك لم يعد الزمن حاضراً، ولم تعد المسافة بين الماضي والحاضر موجودة؛ فكل شيء كان يوحي بأن كربلاء تعيش من جديد أُولى خطوات الرحلة التي انتهت بالشهادة وبدأت منها حكاية الخلود.
كان مسار الموكب مدروسا بعناية، فيما تبدو الأزياء التي يرتديها المؤدون تعكس شخصيات قافلة الإمام الحسين عليه السلام بدقة شديدة، فيما أسهمت الخيول والجمال بترسيخ المشهد كأنّه حقيقي لولا الفارق الزمني بين الماضي والحاضر.
كانت أعداد الخيول تزيد عن خمسين حصانًا، ومن عشرين إلى ثلاثين جَمَلًا، فيما بدت عمليات اختيار الممثلين ونوع ملابسهم التاريخية دقيقة جدا، الدروع اللامعة، والخوذة المزيّنة بريش النعام، والسيوف المقلدة.
هي ليست انتقائية، بل جرت كما يبدو عبر إجراءات دقيقة يشرف عليها مختصون بالثقافة التاريخية، بينما يهتم آخرون بالخيول وتدريبها على مواجهة الحشود وصوت الطبول من دون أن تجفل.

تاريخ المناسبة
ويحيي أهالي مدينة كربلاء المقدسة في اليوم الثاني من محرم الحرام الذكرى السنوية لحلول قافلة الإمام الحسين عليه السلام في أرض كربلاء المقدسة، إذ خيمت القافلة في منطقة المخيم لمدة تسعة أيام قبل أن تجري معركة الطف الخالدة، التي استشهد على إثرها الإمام الحسين وجَمْعٌ من اخوته وأبنائه، إلى جانب عدد من أنصاره عليهم السلام، فيما سيق الأطفال والنساء أسرى إلى الشام.
ويتولّى موكب "جمهور الحيدرية" وموكب "واحسيناه"، كلٌّ على حده إعداد موكبي التشابيه الخاصين بيوم الثاني من شهر محرم الحرام.

تفاصيل المشهد
يعلّق الحاج صادق هاشم الحداد مساعد رئيس موكب جمهور الحيدرية في كربلاء المقدسة، "التشابيه أو التمثيل المسرحي لواقعة الطف، ليست مجرد طقس عابر بل هي أمانة يتوارثها الأبناء عن الآباء".
مضيفا، "نحن لا نمثل لغرض الترفيه، بل نجسّد مظلومية إنسانية، وعندما يرتدي الشاب منا ملابس الإمام الحسين أو العباس عليهما السلام، أو حتى ملابس معسكر الأعداء، فإنه ينفصل عن واقعه الحالي ويعيش اللحظة بكل جوارحه، والهدف هو إيصال الفكرة للأجيال الشابة وتجسيد الكلمات التي يقرأها الخطباء على المنابر إلى صور حية متحركة".
يقول الحاج أبو هبه الخياط، وهو خياط موكب، "سنويا تَسْتَجِدّ لدينا شخصيات محورية في واقعة الطف الحسينية، بالتالي نحن معنيون في تجسيد تلك الشخصية وتمثيلها عن طريق رسم الأزياء الخاصة بها".
مبينا، "وهذا ليس بالأمر السهل، ففي بعض الأحيان تستمر عملية إعداد ذلك اللباس أربعة أشهر تقريبا، وإنّ التكلفة المالية لبعض التجهيزات تصل إلى 7 مليون دينار للشخصية الواحدة".
"نطوّر الأفكار ونضيف شخصيات جديدة، بعد دراسة تأريخية دقيقة تستند إلى الروايات المعتبرة، حتى نقدّم للناس صورة أقرب إلى حقيقة الأحداث التي جرت في كربلاء"، بحسب سليم الشمري "أبو رقية" كفيل الموكب.

تعليقات
من بين الحشود علّق الزائر علي جبار من محافظة البصرة، الذي وقف متأمّلاً المشهد وعيناه تفيضان بالدموع، قائلًا، "على الرغم من أنني أزور كربلاء المقدسة كلّ عام، إلا أنّ رؤية دخول الإمام الحسين عليه السلام بهذه الصورة تجعلُني أشعر وكأنني أعيش الحدث لأول مرة".
مضيفا، "عندما رأيت الخيول والجِمال والرَّكْب الحسيني، شعرت بقشعريرة في جسدي، ولم أستطع منع دموعي".
موضحًا، "هذا المشهد ينقل المأساة إلى القلب مباشرة ويجعل الإنسان أكثر ارتباطاً بالإمام الحسين وأهل بيته".
أما الزائر أحمد نايف من بغداد، ذو الـ 40 عامًا، فكان يراقب التشابيه بصمت قبل أن يقول، "هذه المشاهد ليست مجرد تمثيل، بل رسالة حيّة تحفظ التاريخ في ذاكرة الأجيال".
ويتابع، "عندما أشاهد الأطفال والشباب وهم يتابعون تفاصيل دخول الإمام الحسين عليه السلام إلى كربلاء، أشعر بأنّ القضية الحسينية ما زالت حاضرة بقوة".
ويختتم، "أكثر ما أثّر بي هو تفاعل الناس وبكاؤهم، وكأنّهم يستقبلون الإمام الحسين اليوم، لا قبل أكثر من ألف عام".
