image alt

عاشوراء 1448.. بين حقبتين

عاشوراء 1448.. بين حقبتين


كالعادة كانت إطلالة مميزة، بدت مظاهر الهيبة طاغية في حضوره، يغطيه السواد من أعلى رأسه وحتى أخمص قدميه، وكالعادة أيضًا.. على الرغم من ندرة ظهوره أمام الحشود، كان لكلماته وَقْعٌ بالغ التأثير في مسامع المتجمهرين حول المنصة.

في ليلة عاشورائية مميزة، وعلى أعتاب مرقد أبي الفضل العباس عليه السلام، وسط مدينة كربلاء المقدسة، حيث كانت الحشود المليونية مُجتمعة للمشاركة في إحياء ليالي عاشوراء، صدحت فيها كلمات المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة بعريكة لا تلين، تسطع بين ثنايا حروفها إشارات أبلغ من التصريح، وتحذيرات ليست بحاجة إلى تفسير.

desc-34fcad0f03d5620b.jpeg


كان يستحضر في خطبته عِبَرًا تأريخيةً مُكْلِفة عاشها العراق، أُريقت على جانبيها الدماء ونزفت على مقصلتها الأرواح، قبل أن تشاء الأقدار أن تضع نهاية مهينة لقمع واستبداد ووحشية فتكت بالأبرياء دون تمييز، لا لشيء سوى تمسكهم بعقائدهم وإصرارهم على مناسكهم وشعائرهم الدينية.

أكّد الصافي في خطبته المفصلية أهميةَ الشعائر الحسينية على صعيد البلاد، مشيرًا إلى أنّ أوّل من لبّى فتوى الجهاد ضد الإرهاب هم من مُحيِي الشعائر الحسينية، الذين بذلوا مُهجهم في سبيل الدين والوطن، داعيًا إلى تجنّب البعيدين عن الله ورسوله وأهل بيته صلوات الله عليهم.

كان هدوء الحشد الذي يتمعن في دقائق ملامح السيد صافي عن كثب، أو من يتطلّع إلى الشاشات التلفزيونية العملاقة التي تبث خطبته بشكل مباشر، أمرًا أضاف للمشهد شعورا يعكس وقار الرجل، ومكانته المميزة لدى الناس.

desc-e452ddab2ef2dfa2.jpeg

فما بين رجل معمم وآخر مرتديا بدلة رسمية، وآخرين يرتدون الجلابيب السوداء، وحتى من الشباب المُتجمهرين للاطلاع على تفاصيل هذه الوقفة الاستثنائية بفضول شديد، كانت أسماعهم جميعا منصتة بآذان واعية تتلقّف كلّ حرفٍ يصدر منه كأنّه لؤلؤٌ منثور.

كان الصافي قد أعدّ سلفًا شواهد وأدلّة مادية ووثائق رسمية، كمصداق يعزّز لدى الحشد يقينه بقناعة، ولسان حاله يقول احذروا مما يُحاك لكم، ولا تتواكلوا فيُعاد عليكم ما عنيتم.

فقد استعرض المتولّي الشرعي بمرارة جلية بدت على ملامحه وثائق لأبرياء كانوا ضحايا الاستبداد البعثي، وتضمّنت أحكامًا بالسجن والإعدام بحقّ المشاركين في الشعائر الحسينية في تلك الحقبة السوداء.

مُحَذِّرا من أنّ "البعثيين لا يُؤمَن شرّهم، فهؤلاء أعداء الحسين عليه السلام، وعدوّ الحسين دائمًا منتكس في الدنيا والآخرة".

desc-3a2bae37f7c5f677.jpeg

تلك التحذيرات التي أطلقها المتولّي الشرعي أيقظت في ذاكرة سكان المدينة جروحًا لم تندمل، فكثير منهم فَقَدَ أَخًَا، أو أبًا، أو قريبا، وضاعت آثارهم في مقابر البعث الجماعية أو دهاليز سجونه الدموية.

إلّا أنّ مبتغى السيد الصافي لم يقتصر على لفت نظر الكبار، بل على الغالب كان يريد أنْ ينقل رسالة للجيل الجديد الذي لم يعاصر الحقبة الديكتاتورية المجرمة.

مصاديق ومواقف

قريبا من الحشد كان الحاج كاظم الخفاجي (أبو أياد) البالغ من العمر 76 عامًا، يجلس على كرسي خشبي عتيق عند مدخل موكبه في أطراف المدينة القديمة.

تجاعيد وجهه ليست مجرد علامات للزمن، بل هي خارطة طريق مشى فيها زائرًا وخادمًا على مدى أكثر من نصف قرن.

وكما يبدو أنّ خطبة السيد الصافي عادت به إلى أكثر من أربعة عقود، معلقا، "على ما أتذكر أن النظام البائد أصدر أوامره بمنع المواكب الحسينية من إقامة الشعائر الحسينية مثل مواكب التشابيه والعزاء عام (1974)".

desc-ec1fc1a111b57795.jpeg

مؤكدا، "في حينها كان عدد هذه المواكب في كربلاء آنذاك (37) موكبًا وهيئة فقط".

ويضيف، "قامت السلطات البعثية بالاستيلاء على محتويات المواكب الحسينية ومصادرتها، وفي كثير من الأحيان تدميرها".

وعانت مدينة كربلاء المقدسة -كما يذكر الأهالي- الويلات بشكل مكثف من لدن النظام البعثي، لأنّها مهد الشعائر الحسينية ومركزها، فتَعرّض الآلاف من سكانها إلى بطش السلطة.

وفي الوقت ذاته.. عانت معظم المدن ذات الأغلبية الشيعية من الاستهداف الطائفي على يد ذلك النظام الديكتاتوري.

desc-91075fffd1d3159a.png

ولا تزال العتبات المقدسة تحتفظ بمقتنيات وآثار توثق عمليات القصف والتخريب التي طالتها إبّان الانتفاضة الشعبانية عام 1991 للميلاد، إلى جانب تأسيس مركز متخصص بضحايا المقابر الجماعية.

ويروي الحاج عبد الرضا الحسناوي، أحد أعضاء موكب العباسية الشرقية، كيف تمكّن من النجاة ببعض مقتنيات الموكب بعيدا عن يد السلطة الغاشمة، فيقول، "اضطررت إلى وضع تلك المقتنيات في إحدى غرف منزلي قبل أن اقلع باباها وأردم فتحته".

مضيفا، "بقت تلك الغرفة مُغلقة لمدة 35 عامًا على التوالي، حتى انهيار النظام البعثي عام 2003".

ويتابع، "كانت مجازفة كبيرة جدا تصل تبعاتها في انكشاف ما فعلت إلى إعدامي وجميع أفراد عائلتي".

مختتما، "الحمد لله اجتزنا تلك المرحلة الخطيرة بسلام، وقد أعدت إلى الموكب مقتنياته دون ضرر".

desc-b27b561821665bdb.jpeg

desc-fddf4067e315188d.jpeg