image alt

عاشوراء 1448.. يوم العليلة

عاشوراء 1448.. يوم العليلة


بين هتافات العزاء وصوت القصائد التي تهزّ أزقة كربلاء القديمة، تقف أمام مُجمّع الصادق التابع للعتبة العباسية المقدسة ظاهرة حسينية بالغة التأثير.

 هنا لا تدير المواكب سواعد الرجال الكبار، بل تديره أكفٌّ غضة، وقلوب بريئة لم تتجاوز ربيعها العاشر أو الخامس عشر، إنه موكب أشبال الطف.

الذي تحول من مجرد تجمع عزائي للصغار إلى مؤسسة خدمية تربوية مصغرة تحاكي أدقّ تفاصيل العزاء الكربلائي.

أطفال بعمر الورد يرتدون السواد، وقد غصت جباههم بشعارات الولاء "يا حسين" و "يا عباس"، يتوزعون بانتظام شديد أذهل الزائرين.

مجموعة تتولى توزيع المياه والعصائر الباردة على الزوار الوافدين صوب المرقدين الشريفين.

 ومجاميع أخرى تتهيأ لتنظيف المكان وإحياء الشعائر وإقامة الصلاة وتلاوة القرآن.

desc-38251a617b34ca44.jpeg

تنظيم يفوق الأعمار

مُجمّع الصادق عليه السلام، التابع لأقسام العتبة العباسية المقدسة في محافظة كربلاء، الواقع في مركز المدينة القديمة في منطقة باب الخان، على مقربة شديدة من العتبة العباسية المقدسة.

وهذا أعطى للمكان خصوصية استثنائية بحسب وصف الأستاذ علاء حمد مطر، مسؤول شعبة النشاطات والتنسيق العامة في قسم المعارف الإسلامية والإنسانية، الذي يتابع كلّ صغيرة وكبيرة باهتمام بالغ، مُعلقًا، "ما نراه ليس مجرد تقليد أعمى، بل هو وعي مبكر، هؤلاء الأطفال يتعلّمون العطاء والمسؤولية من مدرسة الإمام الحسين عليه السلام، والمقرّ من أمام مجمّع الصادق الذي يمنحهم حيوية مضافة، لأنّه نقطة التقاء وتدفق الزائرين".

desc-87ec29ee5f641c17.jpeg

رعاية العتبة العباسية

ويشير الأستاذ مطر، "لم يكن لهذا الموكب أن يأخذ هذا الشكل المنظم، لولا الرعاية الأبوية والدعم اللوجستي والتربوي الذي توفّره العتبة العباسية المقدسة عن طريق مجمّع الصادق والجهات ذات العلاقة".

موضحًا، "عدد موكب أشبال الطف يتراوح بين (150/200) شبل من أشبال مدينة كربلاء المقدسة، الذين تتم عملية نقلهم من وإلى الموكب بأشرافٍ كامل من العتبة العباسية التي تتولّى أيضًا إطعامهم طيلة أيام إقامة هذا الموكب".

وأطلق قسم شؤون المعارف الإسلامية والإنسانية في العتبة العباسية المقدسة فعاليات موكب (أشبال الطف) تزامنًا مع حلول شهر المحرّم الحرام للعام السادس على التوالي، مستهدفًا الفتية الذين تتراوح أعمارهم بين 7 إلى 15 سنة.

يقدم الموكب خدماته لزائري مرقدي الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس عليهما السلام لمدة تسعة أيّام متواصلة، يُستثنى منها اليوم العاشر لأنّه يوم خدمي بامتياز.

لا يقتصر عمل الموكب على اللطم والخدمة والعزاء، بل يتضمن مجالس توعوية مبسطة تناسب أعمار هؤلاء الأشبال، ولا سيما ما يخص منها الصلاة، وبِرّ الوالدين، والتفوق الدراسي كجزء من رسالة النهضة الحسينية.

هؤلاء الأشبال هم جوهر القضية الحسينية التي دفع من أجلها الإمام الحسين أثمانا باهظة.

الشبل مجتبى أحمد حبيب 15 عاما من أهالي منطقة النصر في كربلاء المقدسة، يقول "أشعر بالفخر وأنا أقف هنا لأخدم زوار أبي الفضل العباس والإمام الحسين عليهما السلام".

مضيفا، "نحن لسنا صغارا على الخدمة، فالقاسم وعبد الله الرضيع يعلموننا كيف نكون حسينيين منذ الصغر".

بدوره "الخادم" سلطان حسن كما يصف نفسه ذي عشر سنوات، الذي يرتدي دشداشة سوداء، يسجل حضوره الفاعل للسنة الثانية على التوالي في موكب أشبال الطف.

وفي لحظة ما امتلأت عَينا سلطان بالدموع، معللا بكاءه قائلًا، "الإمام الحسين عليه السلام وابنته الملقّبة بالعليلة التي تركها والدها في المدينة المنورة".

desc-a09e146e0eb5a94b.jpeg

العليلة

وللعودة إلى أصل تلك الرواية التي ذكرها الخادم سلطان، تقول الروايات حين قرر الإمام الحسين بن علي عليهما السلام مغادرة المدينة المنورة في عتمة ليل شعبان متّجهًا صوب مكة، ومنها إلى كربلاء، كان خروج العائلة بالكامل.

سارت قافلة الإمام الحسين عليه السلام، وهي تضم الأطفال والنساء والشيوخ، باستثناء السيدة فاطمة الصغرى بنت الإمام الحسين عليه السلام الملقبة العليلة.

التي كانت تعاني من مرض شديد وحمى ألزمتها الفراش، فاستحال عليها تحمل مشاق السفر الطويل القاتل في الصحراء، تركها والدها في المدينة المنورة برعاية أمّ سلمة، أو أمّ البنين، وشهدت الدار لحظات وداع تدمي القلوب.

 حيث زحفت الطفلة خلف النوق والظعن وهي تنادي" كيف تتركوني لوحدي؟ ليعود إليها الإمام ويضمها إلى صدره مسليًّا ومُصَبِّرًا، وواعدًا إيّاها بأن يبعث خلفها عمّها العباس وأخاها علي الأكبر، حين يستقر به المقام.

 تقول الراوية، بقيت فاطمة وحيدة في الدار الموحشة، تقتات على الانتظار، وتجلس عند عتبة الباب تترقب الطريق لعل مبعوثا من أبيها يأتي ليأخذها.

من هنا جاءت حقيقة تَكايا الأطفال واندماجهم مع النهضة الحسينية التي تستحضر في بعض تفاصيلها كلًّا من.. فاطمة المُلقّبة بالعليلة، والطفل الرضيع، والقاسم بن الحسن.

تبدأ الحكاية قبل حلول شهر محرم بأيام قليلة، إذ يتحرك صبية المحلة في حركة دؤوب أشبه بخلية نحل، يجمع الأطفال فيها الأخشاب الفائضة، وسعف النخيل، والكارتون، والأقمشة السوداء من منازلهم أو من بقايا المواكب الكبيرة.

تُشيّدُ هذه التكايا الصغيرة عادة على الأرصفة، وأمام أبواب البيوت، أو عند زوايا الأحياء الضيقة لضمان القرب من حركة المارّة والزائرين، ترفع التكايا لافتات صغيرة تحمل عبارات مثل.. يا حسين أو موكب شباب كربلاء، وتُحاط بأعلام ملونة صغيرة.

داخل هذه المساحة الصغيرة يتوازع الأطفال الأدوار والمهام بجدية تامة، تحاكي تنظيم المواكب الكبيرة.

desc-5c44163a12605037.jpeg

المضيف الصغير

يقف الأطفال بعبارات الترحيب العفوية يدعون المارة لتناول ما تجود به تكيتهم، ويوزعون الماء البارد، والشاي، أو وجبات بسيطة، أو تمرًا محشوًّا، وغالبا يتم تمويل هذه المواد من مصروفهم اليومي الخاص أو بدعم وتشجيع من أمهاتهم وآبائهم.

تتحول التكية في وقت العصر أو بعد صلاة العشاء إلى مركز عزاء صغير، يتناوب الصبية على لعب دور الرادود مستخدمين مكبرات صوت صغيرة أو حتى الهواتف المحمولة لقراءة قصائد حفظوها عن ظهر قلب، بينما يصطف أصدقائهم في حلقة لطم صغيرة بحماس وتفاعل.

في مشاهد معينة، يرتدي بعض الأطفال أزياء تحاكي شخصيات واقعية قريبة إلى قلوب الصغار، فتجد طفلا يرتدي زيًّا يرمز للقاسم بن الحسن عليه السلام، وآخر يحمل مهدا صغيرا يرمز لعلي الأصغر عليه السلام، ما يربطهم تاريخيا وعاطفيا بالحدث.


شهادة من الواقع

تروي إحدى الأمهات من كربلاء عن أطفالها قائلة، "على الرغم من أنّ المناسبة مؤلمة، إلّا إنّني أشعر بالسرور والاطمئنان وأنا أرى أطفالي وأصدقاءهم يحرصون كل عام على نصب تكيتهم أمام البيت.

مضيفة، "هذا النشاط يبعدهم عن الألعاب الإلكترونية الضارة ويغرس في نفوسهم طاقة روحية وعادات تقربهم من مجتمعهم وتجعلهم يتحملون المسؤولية".

desc-233d6346476cc47f.jpeg

إحياء الذكرى

وتشهد مدينة كربلاء المقدسة في اليوم الثالث من شهر المحرم إحياء يوم "العليلة"، والمقصود به السيدة فاطمة بنت الحسين عليهما السلام.

إذ تجوب شوارع المدينة القديمة المواكب الحسينية التي تنقسم على نوعين، مواكب راجلة تردد المراثي، ومواكب راجلة تُسمّى بعزاء "الزنجيل".

وعزاء أو موكب "الزنجيل"، هو عبارة عن مجاميع من الرجال الراجلة ضمن صفوف متوازية تجلد نفسها بالسلاسل الحديدية الصغيرة، في سياق أعمال عاشوراء، التي تستمر حتى يوم العاشر من شهر محرم الحرام.

وتنطلق تلك المواكب الراجلة من بعد الظهر وتستمر حتى منتصف الليل.