image alt

الطريق إلى كربلاء... رأس البيشة

الطريق إلى كربلاء... رأس البيشة


ما إن وطأت أقدام حسين ورفاقه أرض منطقة رأس البيشة، مترجّلًا من الحافلة التي تقلّهم، حتى انطلقت أولى خطواتهم صوب العتبات المقدسة، موقنين أنّ تلك المسيرة الراجلة ستسمر أكثر من أسبوعين متواصلَين، لأنّها تمتدّ على مسافة 500 كيلو متر، وهي خط السير الواصل بين البصرة الفيحاء وكربلاء المقدسة.

حسين الذي يشارك مع رفاقه العشرين تلك المسيرة بغية إحياء مراسم زيارة الأربعين الخالدة، إحدى الشعائر الحسينية المقدسة لدى المسلمين الشيعة، ولم تكن هذه تجربته الأولى.

حسين منير الذي ينحدر من منطقة أبي الخصيب الواقعة شمال مدينة البصرة، جاء بمعية رفاقه إلى أقصى جنوب العراق في منطقة رأس البيشة للانطلاق منها صوب العتبات المقدسة.

desc-23d3bdb69095a55e.jpeg

ورأس البيشة هي أقصى نقطة برية في جنوب العراق، تقع في قضاء الفاو بمحافظة البصرة، وتُعدّ ملتقى شط العرب وخور عبد الله على ساحل الخليج، وتبعد عن مركز مدينة الفاو نحو 5 كيلومترات، وعن مركز محافظة البصرة نحو 100 كيلومتر.

ويبدو أنّ حسين ورفاقه لم يكن الفريق الوحيد الذي ينطلق من تلك المنطقة صوب كربلاء، اذ تتجمهر مئات القوافل التي ترغب بالمشاركة في إحياء هذه الشعيرة الحسينية.

وتُعدّ زيارة الأربعين إحدى أضخم المناسبات الشعبية في العالم، إذ تُظهر البيانات الرسمية التي تصدرها السلطات في العراق أنّ أكثر من ثلاثين مليون زائر يشارك في إحيائها كل عام.

يقول حسين، "إنّها مسيرة طويلة لا تخلو من المشقة ولكن إحياءها أمرٌ مقدّس لدينا، فهي تعبير عن مواساتنا وتضامننا مع أهل بيت النبوة عليهم السلام".

مبينا، "قبل أكثر من 1448 عام، عاد الامام زين العابدين وعمته السيدة زينب عليهما السلام وما تبقى من سبايا البيت المحمدي سيرا على الأقدام صوب كربلاء المقدسة على الرغم من الأذى والمشقة التي لحقت بهم".

وزيارة الأربعين هي الذكرى السنوية لمرور أربعين يوما على استشهاد سبط رسول الله وإخوته وأبنائه وأنصاره عليهم السلام في معركة الطف الشهيرة، والتي فيها واجه الحسين عليه السلام الجيش الأموي عام 60 للهجرة في منطقة كربلاء، تلك البقعة التي باتت من أقدس الأماكن لدى عموم المسلمين.

وتقع في مركز مدينة كربلاء العتبتان المقدستان الحسينية والعباسية، ويقصدها عشرات ملايين الزوار سنويا.

وتنطلق من مختلف مناطق العراق قوافل المشاركين في إحياء زيارة الأربعين سيرا على الأقدام، رجالا ونساءً، فيما لا تخلو تلك القوافل الراجلة من الأطفال أيضا.

وحسين يشارك للمرة الخامسة على التوالي في المسير على الأقدام صوب مدينة كربلاء المقدسة، وقد اعتاد تلك المسيرة بحسب قوله، وبات يعرف جميع الطرق عن ظهر قلب.

مشيرا، "من المتوقّع أن أصل إلى مدينة كربلاء المقدسة في خمسة عشر يوما"، مبينا، "قد تطول تلك الفترة إلى أكثر من ذلك خصوصا مع ارتفاع درجات الحرارة، فقد نضطر إلى التوقف في منتصف النهار تجنبا للإجهاد".

desc-b53e3e6cad6c9e18.jpeg

مضيفا، "طريقنا يتطلّب اجتياز ست محافظات قبل الوصول إلى كربلاء المقدسة".

موضّحا، "نبتدئ من مدينة البصرة مرورا بمدينة العمارة ثم مدينة الناصرية ثم السماوة ثم الديوانية ومدينة الحلة وأخيرا كربلاء".

كاشفا، "قبيل الوصول إلى العتبات المقدسة سألتقي بصديقي أحمد جاسم، وصديقي الآخر علي أبو كيان".

مبينا، "سيأتي أحمد من مدينة الكوت وأبو كيان من مدينة كركوك، أما أبو سعد الخادم فهو الأول بيننا وصولا، لأنّه يسكن على أطراف مدينة كربلاء".

ويسترسل حسين، "اتفقنا على أن نتشرف بدخول العتبات المقدسة سوية إن شاء الله".

وكان حسين قد جمعه في العام الماضي مع أصدقائه الثلاث بحسب قوله شرف الخدمة في مدينة كربلاء المقدسة، موضحا، "تعرفت عليهم في كربلاء وتشاركنا سوية خدمة الزائرين في المواكب الحسينية داخل المدينة".

ويتابع، "بعد انتهاء مراسم الزيارة في العام الماضي تعاهدنا على اللقاء مجددا في مدينة كربلاء هذا العام".

مشددا، "إنّه عهد لن يثنينا عن الوفاء به سوى الموت".

وكانت الاستعدادات للمسيرة بحسب حسين بسيطة جدا، فعلى الرغم من طول مسافة المسير إلّا أنّها لم يُستَعن لها سوى بحذاء وطقم رياضييَنِ لارتدائهما، فعلى مدى مئات الكيلو مترات كانت المواكب الحسينية المنتشرة على جانب الطريق توفّر معظم الاحتياجات الإنسانية المطلوبة، ابتداءً من المأكولات ومياه الشرب العذبة، مرورا بأماكن الاستراحة، وأخيرا وليس آخرا الرعاية الطبية والخدمية الأخرى.

يقول حسين، "نسير أنا ورفاقي خفافا لا نحمل معنا أي أمتعة، سوى الفوط القطنية التي نستخدمها لتنشيف أجسادنا بعد الاستحمام".

مضيفا، "درجات الحرارة مرتفعة هذه السنة مما يستدعي الاستحمام بشكل يومي في محطات الاستراحة المتواجدة على الطريق".

وصادفت مسيرة زيارة الأربعين هذه السنة ارتفاعًا ملحوظًا في درجات الحرارة، خصوصًا أنّها في شهر تموز، أحد أكثر الأشهر حرارة في العراق، حيث بلغت في مناطق الجنوب أكثر من خمسين درجةً مئويةً.


يتبع.....