image alt

طريق يا زينب... كركوك

طريق يا زينب... كركوك


على بعد أكثر من ألف كيلو متر من حسين منير، كان علي أحمد الملقّب بأبي كيان يستعد للتوجه إلى العتبات المقدسة في كربلاء.

في صباح مدينة كركوك، لم يكن المكان هادئًا كما يبدو من بعيد، فأصوات المطارق تتعإلى، وأعمدة الخيزران تُغرس في الأرض، فيما ترتفع الرايات السّود التي زُيّنت بالأخضر لتعلن أن موعد الرحلة قد اقترب.

كان الجميع يتحرك في وقتٍ واحد، فلا أحد ينتظر توجيهًا، لأنّ لكلّ خادمٍ مهمةً يعرفها جيدًا، اعتاد أن يؤديها عامًا بعد آخر.

وينقسم الخدام على فرق عمل، فرقة تتولّى تحضير لافتات العزاء، وأخرى تُجهّز صناديق المياه والمواد الغذائية، فيما تعمل فرقة ثالثة على تجهيز المستلزمات الطبية، ويهتم آخرون بترتيب أغراض النوم والاستراحة، إلى جانب تهيئة عجلات النقل والمعدات اللوجستية التي سترافق الموكب حتى وصوله إلى كربلاء.

ورغم أنّ العمل يبدو وكأنّه استعدادٌ لأيامٍ قليلة، إلّا أنّ الحقيقة مختلفة، فكل تفصيلٍ في هذا الموكب هو حصيلة اجتماعاتٍ ومراجعاتٍ امتدت لعامٍ كامل، تُقيَّم فيها احتياجات الطريق، وتُرصد النواقص، وتُوضع الخطط لتلافيها في الموسم الجديد.

desc-b66fe6523cccdf3a.jpeg

وتبعد مدينة كركوك عن مدينة كربلاء المقدسة ما يقرب من 650 كيلو متر.

يقول أبو كيان، "لقد تمرّست ورفاقي بالمسير إلى كربلاء المقدسة".

مضيفًا، "إنها المرة الثامنة التي نسير على الأقدام انطلاقا من كركوك وحتى كربلاء المقدسة".

في كلّ عام، ما إن يعود خدّام موكب أنصار علي الأكبر إلى كركوك، حتى يفتحوا صفحةً جديدة من الاستعداد لرحلة العام المقبل، رحلةٌ لا تشبه غيرها، لأنّها تسلك طريقًا أرادوا له أن يحمل اسم السيدة زينب عليها السلام، استذكارًا لمسار السبي وما حمله من صبرٍ وثبات.

يقول الخادم علي صادق، "منذ انتهاء زيارة الأربعين الماضية بدأنا ندوّن كل ما يحتاجه الموكب، وما يمكن تطويره في العام المقبل".

مكملا، "اليوم نجني ثمرة ذلك العمل، هذه الرايات ليست مجرد علامات على الطريق، بل رسالة وفاء للإمام الحسين عليه السلام، ورسالة لكل زائر بأن هناك من ينتظره ليخدمه بكل ما يستطيع."

وبحسب أبي كيان فالاستعدادات لا تقتصر على تهيئة مستلزمات الموكب فحسب، فطريق (يا زينب) ما يزال يفتقر إلى كثيرٍ من المواكب الخدمية مقارنةً بالطرق الأخرى، الأمر الذي يجعل مسؤولية الخدام مضاعفة، إذ ينبغي أن يوفروا كل ما يحتاجه الزائر من ماءٍ وغذاءٍ وخدماتٍ طبية وأماكن للراحة، من دون الاعتماد على وجود خدماتٍ أخرى على امتداد الطريق.

ويطلق الزائرون هذه التسمية على الطريق الممتد من مدينة كركوك وحتى العاصمة العراقية بغداد، نسبة إلى خطّ مسير السبايا الذين اقتادهم الجيش الأموي من مدينة الكوفة إلى مدينة الشام، إثر معركة كربلاء الخالدة عام 61 للهجرة.

desc-83e16477f348b71b.jpeg

ويبدأ طريق يا زينب من مدينة كركوك مرورا بمنطقة ناحية تازة ثم قضاء داقوق، مرورا بقضاء طوز خرماتو وقضاء آمرلي ومنطقة سرحة، إلى جانب منطقة جبال حمرين، ثم تقاطع سد العظيم قبل ناحية العظيم، ومنطقة معسكر أشرف ومنطقة الناي وقضاء الخالص، وقضاء هبهب، ومنطقة الغالبية، وأخيرا جديدة الشط، تلك المناطق ضمن حدود محافظات كركوك وصلاح الدين وديالى.

بعد ذلك يدخل خط المسير إلى العاصمة العراقية بغداد، من منطقة الراشدية، ليلتحق بقوافل الحشود الراجلة إلى مدينة كربلاء المقدسة.

يعلّق الخادم يوسف فارس،"نعرف طبيعة هذا الطريق، لذلك لا نترك شيئًا للصدفة، نراجع قوائم المواد أكثر من مرة، ونتأكد من جاهزية المياه والطعام والأدوية ومعدات الاستراحة".

مضيفا، "نريد أن يكون الزائر مطمئنًا منذ أول خطوة وحتى وصوله إلى كربلاء، لأنّ خدمتنا له هي أقل ما يمكن أن نقدمه في حب الإمام الحسين عليه السلام."

وتشارك في إحياء شعائر زيارة الأربعين بحسب مسؤول ممثلية المواكب الحسينية في كركوك أحمد كهية 300 موكب، منها 150 موكبا يتوجه أفراده على شكل قوافل سيرا صوب مدينة كربلاء المقدسة.

قائلا، "هذه المواكب تضمّ مشاركين من مختلف المكونات والقوميات، وهو ما يعكس وحدة أبناء كركوك".

ولا يخلو حديث كهية من مخاوف ومحاذير، مشيرا، "تشتت مواعيد انطلاق القوافل يضاعف الأعباء الأمنية ويؤثر في انسيابية المسير، لذلك تسعى الممثلية إلى اعتماد برنامج موحّد".

ومع اقتراب موعد الانطلاق، كانت الرايات قد ارتفعت، والمعدات أخذت أماكنها، وصناديق المياه والمواد الغذائية أُحكم ترتيبها داخل عجلات الدعم، بينما علت وجوه الخدام ملامح الرضا بعد ساعاتٍ من العمل المتواصل.

الاستعدادات التي شهدها اليوم الأول لم تكن مجرد أعمالٍ تنظيمية، بل كانت إعلانًا عن ولادة رحلةٍ جديدة، يحمل فيها الخدام أمانة خدمة زائري الإمام الحسين عليه السلام، ويستعدون لقطع مئات الكيلومترات على طريقٍ أرادوا له أن يبقى شاهدًا على الوفاء، وأن يروي للأجيال حكاية اسمها "طريق يا زينب".

يعلّق أبو كيان، "هنا، لم تبدأ الرحلة بعد... لكنّ الطريق بدأ يُكتَب".

desc-bb1620f43989ec3e.jpeg


يتبع....