بات حسين ورفاقه على مشارف مدينة السماوة.. لقد أنهى منتصف الطريق حتى الآن، كان الفضل لنشاطه ورفاقه وما يتحلّون به من عنفوان في إنهاء تلك المسافة الطويلة من السير على الأقدام في سبعة أيام فقط، مختصرا بذلك نصف الوقت.
يقول حسين، "كنّا نسير بهمّة من فترة المغيب وحتى الضحى من كل نهار".
مضيفا، "لولا ارتفاع درجات الحرارة ما كنّا لنتوقف أبدا".
مستدركا، "بالطبع كانت هناك محطات استراحة نركن إليها بين الفينة والأخرى، فالطريق كان عامرا بالمواكب الحسينية التي توفّر جميع احتياجات السائرين إلى كربلاء المقدسة".
وتنتشر عشرات آلاف المواكب الحسينية التي توفر أماكن المبيت والاستراحة والأطعمة والمشروبات على امتداد طرق الزوار، ابتداءً من رأس البيشة وحتى العتبات المقدسة داخل مدينة كربلاء.
أبو محمد صاحب موكب أنصار أبي عبد الله في منطقة الدير شمالي محافظة البصرة، كان يعترض مسير الزوار، مُلحّا عليهم بطلب الاستراحة وتناول الطعام الذي يعده.
يقول أبو محمد، "يَعدّ الموكب أربع وجبات طعام يوميا، في الصباح الأجبان والبيض المسلوق والقيمر والشاي والقهوة".
ويتابع، "أمّا في فترة المساء الظهيرة فهناك تنوّع في وجبات الطعام، فإما نعد الدجاج المشوي مع الرز، أو السمك المشوي مع الرز، إلى جانب البرياني، وهي عبارة عن لحم ضأن مقطع مع الرز والمتبلات".
ويختتم، "فترة خدمتنا تمتد على فترة عشرة أيام فقط، وهي المدة التي ينقطع عنا مرور الزائرين القادمين من محافظة البصرة".
كانت عشرات الحافلات الخاصة تتوقف عند المواكب الحسينية للاستراحة وتناول الطعام، تلك الحافلات تضمّ آلاف الزائرين الوافدين من الدول الأسيوية، مثل الجمهورية الإسلامية في إيران، وجمهورية باكستان، وأفغانستان، إلى جانب بعض القوميات الأخرى.

ازدحام الطرق دفع بالسلطات إلى زجّ مئات العناصر الأمنية لتنظيم حركة السير، وتوفير فرق الإسعاف والمفارز الطبية لتقديم خدماتها على طريق الزائرين.
وتبعد محافظة السماوة التي بات حسين على مشارفها أكثر من 300 كيلو متر عن محافظة البصرة، و400 كيلو متر عن منطقة رأس البيشة الذي انطلقوا منها الزائرين.
والسماوة هي إحدى مدن الفرات الأوسط، وتُعدّ بوابة المدن الجنوبية، الناصرية والعمارة والبصرة، ويقسمها نهر الفرات من الوسط، لتشكّل مشهدا جميلا لواحدة من مدن العراق.
يلفت حسين، "في هذه المدينة تتوحد تقريبا جميع قوافل السائرين لتنضم في مسار واحد".
موضحا، "القوافل التي تنطلق من البصرة والناصرية والعمارة جميعها تلتقي في محافظة السماوة قبل أن تتجه إلى مدينة كربلاء المقدسة بمسار موحد تقريبا".
مواكب ومتطوعين
طريق الزائرين تتخلله مواقف ومشاهد استثنائية لا تراها في أي مكان آخر في العالم.
فعلى سبيل المثال، تطوع عدد من إسكافيّي مدينة الناصرية للجلوس على طريق الزائرين في منطقة سوق الشيوخ، أحد أقضية محافظة الناصرية الجنوبية.
كان جهد هؤلاء الشباب هو إصلاح أحذية السائرين التي تتعرّض للتلف مجانا، مصطحبين معهم صناديق عملهم التي تضم عِدَدَ الإصلاح والخيوط الخاصة بالأحذية فضلًا عن الأصباغ وعدّة التنظيف أيضا.
الشاب نجم الخفاجي، أحد الإسكافيين المتطوعين كان ينظف حذاء أحد الزائرين ويعلق، "السير إلى كربلاء أمرٌ مقدس وهو شعيرة متوارثة لدينا، ولكن يجب أن يوجد من يعين السائرين ومساعدتهم خصوصا إن المسافات التي يقطعونها طويلة وقاسية".
مضيفًا، "لكلّ إنسان الحرية في اختيار طريقة المشاركة في إحياء زيارة الأربعين، فهناك من ينصب المواكب الحسينية لتقديم الطعام والشراب، وهناك من يجهّز منزله لتوفير محطات استراحة لهم، وهناك من يكتفي بالسير فقط".
مُكمِلًا، "نحن اتفقنا أن تكون خدمتنا عبر مساعدة السائرين بهذا الشكل، أملًا في تقبل أعمالنا عند الله".

إصابة عابرة
في منطقة الرميثة، إحدى أقضية مدينة السماوة كان ألم صداع مفاجئ قد ألمّ بحسين، مما دفعه إلى التوقف عن المسير والاستراحة في أحد المواكب الحسينية، كان خطر الإصابة بضربة شمس أمرًا مُستَبعدًا لأنّ معظم أوقات سيرهم كانت في الليل.
لم تتجاوز دقائق حتى وصلت مفرزة طبية بعد اتصال صاحب الموكب الحسيني بهم.
كان القلق باديا على وجوه رفاق حسين لأمرين، الأول أن يكون رفيقهم قد أُصيب بمرض شديد، والأمر الآخر هو أن يضطروا إلى قطع مسيرتهم نحو العتبات المقدسة.
يقول باسم جواد أحد أصدقاء حسين، "لم تبدُ عليه أيّ علامات من التعب أو الجهد أو المرض منذ أن انطلقنا، بل كانت مشاعر النشاط والحيوية بادية عليه".
ويضيف، "كان أكثرنا عنفوانا ويحثّنا على السير بشكل أسرع للوصول مبكرا، مشددا على أهمية الوصول إلى كربلاء قبل العشرين من صفر كونه سيلتقي أصدقاء القادمين من المحافظات الأخرى لقضاء بعض الوقت برفقتهم".

لم تمضِ سوى بضع دقائق عندما أنهى المسعفون عمليات فحص حسين، كانت المفرزة تضم ثلاثة أشخاص، طبيب وممرض وسائق سيارة إسعاف، فيما لم يفارق صاحب الموكب ورفاق حسين الذين كانوا يتحلّقون حول المفرزة المكان حتى أخبر الطبيب جميع المتواجدين أن سبب الصداع هو مجرد حاجته إلى شرب الماء بشكل أكبر.
موجهًا كلامه لحسين، "لن أصرف لك أي علاج لست بحاجة إليه، عليك شرب الماء والسوائل وتناول هذه الحبة من مسكن الصداع".
كان رفاق حسين يمازحونه، مُعلقين على وضعه بأنّه سببا في تأخيرهم بعد أن كان هو أكثر الأشخاص حثًّا على سرعة المسير.
قضى حسين تقريبا ثلاث ساعات للراحة قبل أن ينهض مجددا ويشدّد على سرعة المباشرة بالانطلاق، وسط ابتسامات رفاقه الذين همّوا جميعا لمواصلة السير من جديد.
