image alt

الطريق إلى كربلاء.. تازة

الطريق إلى كربلاء.. تازة


قبل أن تتحرك الأقدام، كان الأهالي قد احتشدوا على جانبي الطريق لتوديع السائرين، ارتفعت الأصوات بالصلاة على محمد وآل محمد، ثم تعالت هتافات "لبيك يا حسين" حتى غطّت على ضجيج المحركات، معلنةً انطلاق رحلة جديدة من كركوك إلى كربلاء، رحلة لا تُقاس بالكيلومترات، بل بما تحمله من يقين وصبر.

تقدّمت الموكب عجلاتٌ محمّلة بالمؤونة والمياه الباردة، وكأنها تحمل زاد الأيام المقبلة قبل أن تحمل الأجساد مشقة الطريق، وفي المؤخرة، اصطفّت عجلة نُصبت عليها مكبرات الصوت، لتصدح منها القصائد الحسينية التي سترافق السائرين طوال رحلتهم، فتخفف عنهم عناء المسافات وتبقي الحماس حاضرًا في القلوب.

أمّا الزائرون، فقد توزعوا على جانبي الطريق، تتوسطهم الرايات الحسينية التي أُعدّت منذ أيام، وفي مقدمتها ارتفعت راية الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف، تلتها رايات تحمل أسماء أهل البيت عليهم السلام، فيما حمل كثير من السائرين رايات كُتب عليها "يا زينب"، ليتحول الطريق إلى لوحة يغلب عليها السواد وتخترقها الأعلام المرفرفة مع كل خطوة.

لكن ما إن غادر الموكب حدود المدينة، حتى بدأت الحقيقة التي لا يراها كثيرون، فهذه الطريق ليست كغيرها من طرق الأربعين؛ فهي تمتد عبر مناطق تختلف في ظروفها الأمنية، الأمر الذي يجعل المسير نهارًا خيارًا تفرضه الضرورات، رغم حرارة الصيف وقسوة الطريق.

desc-4808348938de96ca.jpeg

وفي هذا السياق، أوضح آمر العمليات الخاصة في قاطع شمال وشرق دجلة، حسين كرجي، أن "القطعات الأمنية ترافق الموكب منذ لحظة انطلاقه، إذ تتولى الدوريات حمايته داخل حدود مسؤولية القاطع، قبل أن تُسلَّم المهمة إلى القطعات الأمنية في محافظة ديالى، ومنها إلى بغداد، ضمن خطة تعتمد على انتقال المسؤولية بين القواطع من دون أي انقطاع".

وأضاف، "هذا الانتقال يتم بتنسيق مباشر بين آمري الأفواج والسرايا والقطعات المنتشرة على طول الطريق، لضمان انسيابية حركة الموكب وتأمين سلامة المشاركين حتى وصولهم إلى القاطع التالي".

ويرى السيد طالب الحسيني عميد قبيلة السادة الحسينيين في كركوك، أن "هذا الطريق لم يُفتح لأنه الأسهل، بل لأنه يحمل رسالةً يريد المؤمنون ترسيخها عامًا بعد آخر".

مستشهدا بقول الإمام الصادق عليه السلام، "من زار جدي الحسين عارفًا بحقه فكأنما زار الله في عرشه".

ويضيف، "هذا المعنى هو الذي يدفع الزائرين لتحمل ما يواجههم من صعوبات، مؤكدًا أن زيارة الأربعين من أعظم الزيارات التي يحرص المؤمنون على إحيائها مهما كانت التحديات".

مشيرا، "طبيعة المحافظات الشمالية تختلف عن بقية المحافظات، فالمسير فيها يتأثر بالظروف الأمنية، لذلك يكون السير نهارًا فقط، على الرغم من ارتفاع درجات الحرارة، بعكس كثير من الطرق الأخرى التي يواصل فيها الزائرون مسيرهم ليلًا ونهارًا".

وتابع، "فكرة فتح هذا الطريق بدأت قبل سنوات قليلة على يد مجموعة صغيرة من الشباب المؤمنين، لم يتجاوز عددهم ثلاثين أو أربعين شخصًا، آمنوا بضرورة تأسيس طريقٍ ينطلق من كركوك باتجاه الإمام الحسين عليه السلام، رغم إدراكهم حجم المخاطر التي تحيط به".

ويلفت عميد السادة الحسينيين إلى، أن "أعداد المشاركين أخذت تتزايد عامًا بعد آخر، فبعد أن كان المسير يضم عشرات الأشخاص، أصبح اليوم يشارك فيه المئات، كما التحقت به مواكب من تازة وداقوق والدوز وآمرلي".

من ذي قار إلى كركوك


الخادم علي قاسم، القادم من قضاء سوق الشيوخ في محافظة ذي قار، وجد في هذا المسير ما يتجاوز كونه طريقًا يؤدي إلى كربلاء، إذ يقول إنه شعر بأن "في هذه الطريق شيئًا من أنفاس الإمام الرضا عليه السلام، وآثارًا من صبر السيدة زينب عليها السلام، وكأنها تستحضر في ذاكرته طريق السبي الذي سلكته بعد واقعة الطف".

ويضيف، "أكثر ما لفت انتباهه هو حضور البراعم والشباب في المسير، وإصرارهم على مواصلة الطريق رغم المخاطر الأمنية وقلة الخدمات المنتشرة على امتداده، وهو ما ولّد في نفوسهم روحًا عالية من التحدي والثبات".

ويشير إلى أنه يسير إلى الإمام الحسين عليه السلام منذ عام 2005، إلا أن مشاركته في طريق كركوك بدأت قبل عامين فقط.

الوصول إلى تازة


واصل الموكب سيره حتى بلغ محطته الأولى في ناحية تازة التابعة لمحافظة كركوك، على بعد نحو عشرين كيلومترًا من نقطة الانطلاق، وهناك أسدل اليوم الأول ستاره، بعد ساعاتٍ من السير تحت حرارة الشمس، في أول اختبارٍ حقيقي للأجساد قبل الأرواح.

ويُدرك السائرون أن اليوم الأول هو الأصعب دائمًا ففيه تتعرف الأقدام على الطريق، وتبدأ الأجساد بالتأقلم مع مشقة المسافات الطويلة، ومع ذلك، لم يكن الوصول إلى تازة نهاية المسير، بل بداية عهدٍ جديد مع الطريق، إذ استقر الجميع استعدادًا ليومٍ آخر، يحمل مسافةً أطول وتحدياتٍ أكبر.

مع انبلاج فجر اليوم الثاني، لم يكن أمام السائرين سوى طريقٍ طويلٍ يمتد نحو كربلاء، لكن أحدًا منهم لم يكن ينظر إلى المسافة بقدر ما كان ينظر إلى الغاية.

أقدامٌ أثقلها التعب، ووجوهٌ أرهقتها حرارة الصيف، غير أن النداء الحسيني كان أقوى من كل مشقة، ليواصل موكب أنصار علي الأكبر رحلته من محافظة كركوك، تتقدمه رايات العشق وترافقه مواكب الخدمة التي جعلت من الطريق بيتًا مفتوحًا لكل زائر.

desc-1ec1d80f6740f6b1.jpeg

وفي كل محطة، كان هناك رجالٌ لا يسيرون مع القافلة فحسب، بل يحملون على عواتقهم مسؤولية أن يصل الجميع سالمين؛ يتقاسمون الأدوار بين إعداد الطعام، وتأمين المياه، وتنظيم الاستراحات، ورعاية المشاركين، مؤمنين بأن خدمة زائر الإمام الحسين عليه السلام شرفٌ لا يضاهيه شرف.

وبين السائر والخادم، تتجسد في اليوم الثاني من المسير صورةٌ أخرى من صور التكافل، حيث يصبح العطاء لغةً لا تحتاج إلى كلمات.

ولم تكن مشاهد التعب والإصرار وحدها ما يلفت الأنظار في اليوم الثاني من المسير، فبين صفوف السائرين برزت حكاياتٌ صغيرة حملت في طياتها معاني الإيمان والرجاء.

فعلى جانب الطريق، اقتربت امرأة من أبناء العامة من طفلٍ صغير كان يسير بين الجموع حاملاً رايةً كُتب عليها "يا زينب".

توقفت عنده للحظات، ثم أمسكت بطرف الراية وعقدت فيه عقدةً صغيرة، فيما ارتسمت على وجهها ملامح الدعاء والتوسل.

كانت تحمل حاجةً في قلبها، فجاءت إلى هذا الموكب الحسيني تستودعها عند السائرين في درب الحسين عليه السلام، مؤمنةً بأن الدعوات التي تخرج من قلوب المحبين لا تضيع.

وبينما واصل الطفل سيره رافعاً الراية فوق رأسه، بقيت المرأة تتابعها بنظراتٍ ملؤها الأمل، وكأنها أرسلت مع تلك العقدة رسالةً إلى السيدة زينب عليها السلام، تحمل رجاءً لا يعرفه إلا الله.

مشهدٌ عابر في ظاهره، لكنه اختزل جانباً من الحكايات الإنسانية التي ترافق مسير الأربعين، حيث تتقاطع الآمال والدموع والدعوات على طريقٍ واحد ينتهي عند كربلاء.